لماذا نصوت للأشخاص أكثر مما نصوت للأحزاب؟
في كل موسم انتخابي يعود سؤال قديم إلى الواجهة: هل يصوت المغاربة للأحزاب وبرامجها، أم أنهم يختارون الأشخاص قبل أن يختاروا التنظيمات السياسية التي ينتمون إليها؟
قد يبدو السؤال بسيطاً، لكن الإجابة عنه أكثر تعقيداً. فاختيار الناخب المغربي لا يتحدد دائماً بالانتماء الحزبي أو بالبرنامج الانتخابي وحده، وإنما تتداخل فيه عوامل متعددة: الثقة، والسمعة الشخصية، والقرب من المواطن، والتاريخ السياسي، والعلاقات الاجتماعية والمحلية، إضافة إلى صورة الحزب وقياداته.
ولعل أهم ما يفسر هذه الظاهرة هو أزمة الثقة. فعندما لا يرى المواطن فرقاً واضحاً بين الوعود الانتخابية وما يتحقق على أرض الواقع، تصبح البرامج أقل قدرة على التأثير في قراره. في هذه الحالة، يتحول المرشح نفسه إلى معيار للاختيار: هل أعرفه؟ هل أثق به؟ هل سبق أن تعاملت معه؟ هل يبدو قادراً على الدفاع عن مصالح المنطقة أو حل مشكلاتها؟
وهنا تبرز أهمية العامل المحلي. ففي العديد من الاستحقاقات، لا يكون الناخب أمام أسماء سياسية مجردة، وإنما أمام أشخاص يعرفهم بشكل مباشر أو غير مباشر. يعرف عائلاتهم، ومسارهم، وحضورهم في المنطقة، وربما سبق أن تعامل معهم في حياته اليومية. لذلك قد تصبح السمعة الشخصية للمرشح أكثر تأثيراً من البرنامج المكتوب في وثيقة انتخابية.
كما أن الأحزاب نفسها تتحمل جزءاً من مسؤولية هذه الوضعية. فالحزب الذي يظهر للناخب فقط في فترة الانتخابات، ثم يختفي بعد إعلان النتائج، يجد صعوبة في بناء علاقة سياسية طويلة الأمد مع المجتمع. أما الحزب الذي يمتلك حضوراً دائماً، ويناقش قضايا المواطنين، ويحاسب منتخبيه، ويجدد قياداته، فإنه يملك فرصة أكبر لتحويل التصويت من تصويت لشخص إلى تصويت لمشروع سياسي.
هناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو شخصنة السياسة. ففي بعض الأحيان يصبح الحزب مرتبطاً في أذهان المواطنين بشخصية معينة، سواء كان زعيم الحزب أو شخصية بارزة داخله. وهكذا لا يعود الناخب يميز بوضوح بين الحزب والفرد، بل تصبح صورة الشخص هي المدخل الأساسي إلى تقييم التنظيم بأكمله.
لكن هل يعني ذلك أن الناخب المغربي غير مهتم بالبرامج؟
ليس بالضرورة. فقد تكون المشكلة في البرامج نفسها وفي طريقة تقديمها. عندما تكون البرامج طويلة، تقنية، ومليئة بالوعود العامة، دون أن تشرح بوضوح كيف ستغير حياة المواطن، فإنها تفقد قدرتها على التأثير. المواطن يريد أن يعرف ماذا سيحدث للتعليم، والصحة، والشغل، والنقل، والأسعار، والسكن، والخدمات المحلية. وكلما كانت الإجابات أكثر واقعية وقابلية للقياس، أصبح البرنامج أكثر قدرة على منافسة جاذبية الشخص.
ثم هناك مسألة المحاسبة. الناخب لا يصوت فقط لمن يعده، وإنما يفترض أن يستطيع لاحقاً تقييم من انتخبه. فإذا لم تكن هناك آليات واضحة لمحاسبة المنتخبين، فقد يتحول الانتخاب إلى علاقة مؤقتة تنتهي بمجرد انتهاء يوم الاقتراع. أما عندما يشعر المواطن أن صوته يمنحه القدرة على مكافأة الأداء الجيد ومعاقبة الأداء السيئ، فإن الاختيار السياسي يصبح أكثر ارتباطاً بالمشروع والبرنامج.
ومن الخطأ أيضاً تفسير التصويت للأشخاص دائماً باعتباره نتيجة للزبونية أو للمصالح الضيقة. العلاقات الشخصية والعائلية والمحلية جزء من النسيج الاجتماعي، وقد تعكس أحياناً الثقة والقرب وليس فقط تبادل المنافع. لذلك فإن فهم سلوك الناخب يحتاج إلى النظر إلى المجتمع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.
في النهاية، ربما يكون السؤال الأهم ليس: لماذا يصوت المغاربة للأشخاص بدل الأحزاب؟ بل: لماذا لم تنجح الأحزاب بما يكفي في جعل المواطن يرى في الحزب مشروعاً سياسياً يستحق التصويت؟
فالناخب يبحث في النهاية عن الثقة. وإذا استطاع الحزب أن يبني هذه الثقة من خلال برنامج واضح، وقيادات ذات مصداقية، وحضور مستمر، وممارسة سياسية قابلة للمحاسبة، فإن التصويت للشخص يمكن أن يتحول تدريجياً إلى تصويت لمشروع.
أما إذا ظل الحزب مجرد اسم يظهر على ورقة الاقتراع، وظل المرشح هو الوجه الوحيد الذي يراه المواطن ويسمعه، فمن الطبيعي أن يبقى الشخص أقوى من الحزب في ذهن الناخب.
المشكلة، إذن، ليست بالضرورة أن المواطن المغربي لا يؤمن بالأحزاب؛ ربما المشكلة أن الأحزاب لم تنجح بعد في إقناع المواطن بأن صوته للحزب يمكن أن يكون أكثر تأثيراً من صوته للشخص.

