من ينتصر على من؟ قراءة تحليلية لاستحقاقات 23 شتنبر 2026
مقدمة:
تُشكل الاستحقاقات التشريعية لـ 23 شتنبر 2026 محطة مفصلية في مسار المأسسة الديمقراطية بالمملكة المغربية، بالنظر إلى تقاطعها المباشر مع تحولات هيكلية عميقة على المستويات الاقتصادية، الاجتماعية، والسيادية. ولا يقف الاستفهام الجوهري «من ينتصر على من؟» عند حدود المناهزة العددية بين الأحزاب المتنافسة للظفر بالغالبيّة المتمثلة في 395 مقعداً بمجلس النواب، بل يتجاوزه ليعكس صراعاً مفهوماً بين نموذجين في التدبير العمومي: نموذج يرتكز على النجاعة التكنوقراطية المعتمدة على أدوات الحكامة الإدارية، مقابل نموذج يستند إلى العقلنة السياسية، والعمق الوطني التاريخي، والتأطير المجتمعي.
وتستدعي القراءة التحليلية لهذه الاستحقاقات تفكيك موازين القوى الميدانية، ومحددات الحسم الدستوري والسوسيولوجي، مع استشراف سيناريوهات الهندسة السياسية المرتقبة لقيادة الجهاز التنفيذي في ولاية حاسمة (2026–2031) تشكل القاطرة الأساسية لإنجاح الالتزامات التنظيمية والتنموية لخيار “مونديال 2030”.
أولاً: الخريطة الانتخابية لعام 2026 والتكتلات الحزبية
تتوزع الجغرافيا الانتخابية لعام 2026 بين قطبين رئيسيين يخوضان التنافس السياسي بمحركات تعبوية ومرجعيات مختلفة:
قطب الأغلبية الحكومية:
التجمع الوطني للأحرار: يخوض الاستحقاق بالاعتماد على شرعية الإنجاز، وحصيلة تنزيل أوراق “الدولة الاجتماعية”، والارتكاز على الشبكات الترابية للأعيان، غير أنه يواجه كلفة “الضريبة الاجتماعية” الناجمة عن الضغوط التضخمية وتبعات غلاء المعيشة.
حزب الاستقلال: يمثل الفاعل الأكثر توازناً واستقراراً داخل التحالف؛ حيث نجح في إعمال “مسافة سياسية ناعمة” وقت الاستنزاف المباشر جراء الأزمات الاقتصادية. ويطرح الحزب نفسه كقوة تعديلية تجمع بين الأصالة الوطنية، والامتداد النقابي، والخبرة المالية والاقتصادية.
حزب الأصالة والمعاصرة: ينطلق من شبكة تنظيمية متماسكة وامتداد ترابي متجدر في المدارات القروية والحضرية، بما يضمن له موقعاً موازناً في معادلة الفرز النهائي.
قطب المعارضة والتحالفات البديلة:
حزب العدالة والتنمية: يعتمد على استعادة الخطاب النقدي المباشر، والتركيز على قضايا القدرة الشرائية وحكامة المال العام لاستقطاب كتلة “التصويت العقابي”.
تكتلات اليسار والحركات الشعبية: تسعى لتجميع القواعد الحضرية والهامشية، وترجمة حالات عدم الرضا الاجتماعي إلى مقاعد برلمانية في الدوائر الكبرى.
ثانياً: المحددات المؤسساتية والسوسيولوجية للحسم الانتخابي
إن تحديد القوة السياسية المتصدرة في البيئة الانتخابية المغربية يخضع لمحددات قانونية وميدانية تمنع القطبية الأحادية وتفرض التوازن البرلماني:
1. القاسم الانتخابي المحسوب على أساس المسجلين: يشكل هذا المعطى القانوني كابحاً للهيمنة العددية؛ إذ يعمل على توزيع المقاعد بتكافؤ نسبي بين القوى الأولى في الدوائر المحلية، مما يجعل الحسم مرتبطاً بآلية “أكبر البقايا” والفوارق الدقيقة في الأصوات.
2. السلوك الانتخابي والتمايز المجالي: يتراوح السلوك بين تصويت المصلحة والروابط القرابية في العالم القروي (الذي يسجل نسب مشاركة مرتفعة)، والتصويت السياسي المتردد في الحواضر الكبرى (المعرض لتقلبات نسب العزوف أو المشاركة المكثفة).
3. الوساطة النقابية والخبرة الاقتصاديّة: يمنح الامتداد النقابي المتجذر — كالاتحاد العام للشغالين بالمغرب (UGTM) — مزية استراتيجية للحزب الذي يجمعه بالخبرة الأكاديمية والمالية؛ حيث يتيح الأول تعبئة الطبقة المتوسطة والعمالية، بينما تضمن الثانية إدارة التوازنات الماكرواقتصادية للمشاريع التنموية الكبرى.
ثالثاً: المقاربة التحليلية لرجحان كفة حزب الاستقلال وحيثيات الصدارة
تكشف معطيات علم الاجتماع السياسي للانتخابات المغربية لعام 2026 عن وصول المقولات التكنوقراطية والوعود التبسيطية إلى مرحلة الإنهاك السياسي، بعدما أظهرت التحولات الواقعية عجز المسارات الخالية من العمق الشعبي عن امتصاص الصدمات الاقتصادية. وفي هذا السياق، يتصدر حزب الاستقلال المشهد باعتباره الفاعل الأقدر على إعادة الهندسة السياسية وقيادة الأغلبية المقبلة بناءً على أربعة أبعاد استراتيجية:
استراتيجية “المسافة الناعمة”: أدار الحزب مشاركته الحكومية بقدرة على التمايز عن الخيارات النيوليبرالية المباشرة، محتفظاً بمرجعيته الاجتماعية الوطنية دون السقوط في التماهي التام مع القرارات ذات التكلفة الاجتماعية، مما يحميه من تبعات “التصويت العقابي”.
الهندسة المجالية والجغرافيا الانتخابية المركبة: يتميز الحزب بخريطة انتشار مجالي متوازنة تشمل الحواضر التاريخية (فاس، سلا، وجدة) بفضل رصيده الرمزي بين الأطر والنخب، والأقاليم الجنوبية التي تحسم بديناميات قبليّة مرتبطة برصيد دفاعه التاريخي عن الوحدة الترابية، إلى جانب المدارات الفلاحية القروية الكبرى (دكالة، سائس، الغرب).
المؤسسية النقابية والامتداد العمالي (UGTM): يمثل الذراع النقابي للحزب قناة وساطة مؤسساتية نشطة تؤثر مباشرة في قناعات الشغالين والموظفين، عبر ربط الخطاب السياسي بالمكتسبات الواقعية للحوار الاجتماعي والزيادات الأجرية.
عقلنة الفعل السياسي وإعادة بناء الطبقة المتوسطة: عبر طرح برنامج انتخابي يتجاوز الشعبوية ويستند إلى كفاءات قادرة على تدبير القطاعات السيادية (الماء، الاستثمار، والسيادة الغذائية)، مع جعل مركزية الطبقة المتوسطة المحور الأساسي للاستجابة للتحديات التضخمية.
رابعاً: سيناريوهات الهندسة السياسية المرتقبة
بناءً على معطيات الجاهزية التنظيمية والتدافع الميداني، تتشكل ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمخرجات اقتراع 23 شتنبر 2026:
النتيجة المرتقبة:
الحصول على 85 إلى 95 مقعداً وتكليفه دستورياً بتشكيل الحكومة.
تصدر الحزب للنتائج بفعل القوة التعبوية للنقابة والجغرافيا المتوازنة وتحييد اللوم السياسي.
تقارب حاد في الأصوات بين التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال في الدوائر الكبرى.
تعافٍ ملموس لأحزاب المعارضة (العدالة والتنمية، الاتحاد الاشتراكي، الحركة الشعبية).
السيناريوهات المحتملة :
السيناريو الأول: صدارة حزب الاستقلال
السيناريو الثاني: التقارب المزدوج بين حزب الاستقلال وحزب التجمع الوطني للأحرار
السيناريو الثالث: انقسام الخريطة وصعود المعارضة.وهو امر مستبعد إلى حدما .
الآثار الدستورية والمؤسساتية لسيناريو الصدارة الاستقلالية:
1. إعادة الاعتبار للفاعل السياسي الوطني: قيادة الجهاز التنفيذي بشرعية تنظيمية وشعبية متجذرة، تتجاوز الأطر التكنوقراطية المجردة.
2. عصرنة التحالفات الحكومية: بناء ائتلاف يجمع بين النجاعة الاقتصادية والتضامن الاجتماعي، مع الانفتاح على المعارضة الوطنية لتوسيع الجبهة الداخلية.
3. تعزيز الثقة في الوساطة الحزبية: الحد من العزوف الانتخابي عبر تثبيت نموذج حزبي يمتلك الخبرة التفاوضية والمصداقية التاريخية.
خامساً: الانعكاسات على الدبلوماسية الاقتصادية والالتزامات الدولية
تنعكس قيادة حزب الاستقلال للحكومة المقبلة (2026–2031) على الدبلوماسية الموازية والتفاوض الاقتصادي، تحت مظلة التوجيهات الاستراتيجية الملكية، وفق المعالم التالية:
1. دبلوماسية السيادة الاستراتيجية: توجيه المفاوضات الدولية نحو نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات الحيوية (المائية، الطاقية، والصيدلانية)، وتفعيل مبدأ “صنع في المغرب” في الاتفاقيات التجارية.
2. اشتراط القيمة المضافة في الاستثمارات الأجنبية: ربط الاستثمارات الأجنبية بخلق فرص الشغل الدائمة وإدماج المقاولات الصغرى والمتوسطة الوطنية في سلاسل التوريد العالمية.
3. تفعيل المبادرة الأطلسية والعمق الأفريقي: استغلال ميناء الداخلة الأطلسي وخط أنبوب الغاز المغرب-نيجيريا، مع تصدير الخبرة الوطنية في المجال الفلاحي والمائي لقارة أفريقيا مقابل الأسمدة المواد الأولية.
4. إعادة توازن الشراكات الدولية: تبني موقف تفاوضي متوازن مع الاتحاد الأوروبي بشأن ضريبة الكربون والصادرات الفلاحية، بالتوازي مع تسريع الاستثمارات مع الصين، الهند، دول الخليج، والولايات المتحدة.
5. إدارة ملف مونديال 2030: التسويق للمغرب كمركز مالي ولوجستي عالمي، مع ضمان التوازن بين تكاليف البنية التحتية والمحافظة على الموازنة العامة والدعم الاجتماعي.
خاتمة :
إن الانتصار الحقيقي في استحقاقات 23 شتنبر 2026 لا يُقاس فقط بالتحصيل العددي للمقاعد والترتيب الحزبي، بل بمدى القدرة على إعادة المصداقية للعمل السياسي والوساطة المؤسساتية. وتشير القراءة التحليلية إلى أن تصدر حزب يحمل المرجعية الوطنية والتاريخية كـ حزب الاستقلال يمثل مدخلاً استراتيجياً لتثبيت الاستقرار، وبناء بيئة سياسية متماسكة قادرة على تدبير الرهانات السيادية والتنموية، وفي مقدمتها التنزيل الناجح لورشي الدولة الاجتماعية ومونديال 2030 و
مواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة.

