اقتـحام سبتة… من يبعثر الأوراق بين الرباط ومدريد؟
ليس من السهل تصديق أن ما وقع بمدينة سبتة المحتلة مجرد حادث عابر فرضته رغبة عدد من الشباب في الهجرة غير النظامية. فالتوقيت، الذي جاء على إيقاع احتفالات المغرب بعيد العرش، وحجم التغطية الإعلامية، وطبيعة ردود الفعل، كلها عناصر تجعل الواقعة أكبر من مجرد محاولة عبور جماعي، وتدفع إلى التساؤل: هل نحن أمام اختراق أمني عابر، أم أمام رسالة سياسية متبادلة بين الرباط ومدريد؟
الأسئلة التي يطرحها الحادث أكثر من الأجوبة المتوفرة. لماذا بدا الجانب الإسباني، وفق ما ظهر في بعض المشاهد المتداولة، أقل تشدداً في المنع والصد؟ ولماذا لم تُفعَّل، من الجانب المغربي، درجات أعلى من الحيطة والاستباق لمنع وصول هذا العدد من الشبان إلى محيط المدينة المحتلة؟ وهل يتعلق الأمر بثغرات ميدانية، أم أن وراء المشهد حسابات سياسية لم تتكشف بعد؟
من المشروع سياسياً قراءة الحادث في سياق العلاقات المغربية الإسبانية، لكن من غير المشروع الجزم بوجود تنسيق أو ابتزاز متبادل دون أدلة قاطعة. ومع ذلك، فإن السياسة لا تُقرأ دائماً بالتصريحات الرسمية، بل كثيراً ما تُقرأ من خلال التوقيت، والرسائل، وما ينتجه الحدث من آثار.
في إسبانيا، سيجد هذا المشهد طريقه سريعاً إلى قلب الصراع السياسي الداخلي. فمنذ أن غيّرت حكومة بيدرو سانشيز موقفها سنة 2022 بدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية، لم يغادر المغرب أجندة التجاذب بين الأحزاب الإسبانية. لذلك لن يكون مستغرباً أن تتحول صور الاقتحام إلى مادة للمزايدات الانتخابية، وإلى وسيلة للضغط على الحكومة، بل وربما إلى ورقة داخل النقاش الأوروبي حول أمن الحدود والهجرة.
أما المغرب، فمن المرجح أن يواصل التذكير بحقيقة لا يمكن تجاهلها: حماية الحدود الجنوبية لأوروبا ليست خدمة مجانية، بل مسؤولية ثقيلة تترتب عنها كلفة أمنية وحقوقية وتنموية كبيرة. ومن ثم، فإن أي مقاربة للهجرة لا يمكن أن تستمر بمنطق تحميل الرباط وحدها أعباء حماية الفضاء الأوروبي، دون شراكة متوازنة تقوم على تقاسم المسؤوليات والمصالح.
إن ما وقع يذكر، مرة أخرى، بأن ملف سبتة ومليلية المحتلتين سيظل ملفاً سياسياً مفتوحاً، وأن استقرار المنطقة لا يتحقق فقط بالإجراءات الأمنية، وإنما أيضاً بحوار استراتيجي يعالج القضايا العالقة بمنطق المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
لقد أثبتت الواقعة أن العلاقات المغربية الإسبانية، رغم ما تعرفه من تعاون وثيق، ما تزال محكومة بحساسيات تاريخية وتوازنات دقيقة. وأي حادث ميداني، مهما بدا محدوداً، قادر على إعادة خلط الأوراق وإثارة الشكوك وفتح الباب أمام قراءات متناقضة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من المستفيد الحقيقي من تحويل مشهد مجموعة من الشباب الباحثين عن مستقبل أفضل إلى أزمة سياسية وإعلامية في هذا التوقيت بالذات؟ إلى أن تظهر معطيات موثقة تجيب عن هذا السؤال، ستظل كل التفسيرات مجرد قراءات سياسية قابلة للنقاش، لا حقائق نهائية.

