جلالة الملك محمد السادس نصره الله وملامح المغرب الحديث.

جلالة الملك محمد السادس نصره الله وملامح المغرب الحديث.
الدكتور المصطفى قاسمي استاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية

تشكل الذكرى المديدة لـ عيد العرش المجيد مناسبة وطنية مجيدة لاستحضار مسار حافل بالإنجازات والتحولات العميقة التي شهدتها المملكة المغربية تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. فمنذ اعتلاء جلالته عرش أجداده المنعمين، انطلق المغرب في دينامية متميزة جمعت بين الأصالة والمعاصرة، ورسخت مكانة المملكة كقوة إقليمية وفاعل دولي موثوق، يعتمد استراتيجيات شمولية تمس السياسة، الاقتصاد، المجتمع، والرياضة.
أولاً: الاستراتيجية الملكية.. رؤية متبصرة في السياسة والاقتصاد والمجتمع
تستند الرؤية الاستراتيجية لجلالة الملك إلى توازن دقيق بين الاستقرار السياسي، الإقلاع الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية:
سياسياً: كرس جلالته الخيار الديمقراطي وترسيخ دولة الحق والقانون، وكان دستور 2011 محطة فارقة مهدت لمفهوم جديد للسلطة وتنزيل الجهوية المتقدمة لتأمين التنمية المتوازنة بين مختلف جهات المملكة.
اقتصادياً: اعتمد المغرب استراتيجية التنوع والسيادة الاقتصاديين، عبر الارتقاء بالبنيات التحتية إلى مستويات عالمية (مثل ميناء طنجة المتوسط وشبكة القطار الفائق السرعة “البراق”)، وتطوير قطاعات صناعية واعدة كالسيارات والطيران والطاقات المتجددة.
اجتماعياً: وضع جلالته المواطن المغربي في صلب التنمية، بدءاً من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وصولاً إلى الورش التاريخي لإعادة هيكلة الدولة الاجتماعية من خلال التعميم التدريجي للحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر.
ثانياً: الإنجازات الوطنية.. ثمار الرؤية على أرض الواقع
تترجم الإنجازات التنموية في مختلف المجالات نجاعة الاستراتيجية الملكية:
1. المجال السياسي والحكامة
شهدت المملكة تعزيزاً للحقوق والحريات، وتكريس مبادئ الشفافية والمساءلة، إلى جانب تطوير المنظومة القضائية وإصلاح المفهوم العام للخدمة العمومية، مما جعل المغرب نموذجاً للاستقرار الديمقراطي في المنطقة.
2. الإقلاع الاقتصادي والبنيات التحتية
أصبح المغرب منصة صناعية ولوجستية عالمية، حيث تصدرت المملكة صناعة السيارات في أفريقيا، وحققت أشواطاً كبرى في التحول نحو الطاقة النظيفة (مجمع نور ورزازات كمثال)، إلى جانب تعزيز الأمن المائي عبر استراتيجية السدود والتحلية لمواجهة التغيرات المناخية.
3. النهوض الاجتماعي وتنمية العنصر البشري
أثمرت التوجيهات الملكية عن تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، والارتقاء بقطاعي الصحة والتعليم، وتوفير التغطية الصحية الشاملة لملايين المواطنين، مما عزز التماسك الاجتماعي وصان كرامة الأسرة المغربية.
4. الإنجازات الرياضية.. التألق العالمي
شهد القطاع الرياضي طفرة غير مسبوقة بفضل الدعم الملكي المباشر والأكاديميات الرياضية النموذجية (مثل أكاديمية محمد السادس لكرة القدم). وتوج هذا المسار بالإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في مونديال قطر 2022 وصولاً إلى المربع الذهبي، ناهيك عن ظفر المغرب بتنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وهو ما يعكس ثقة المؤسسات الدولية في جاهزية المملكة وتطور بنيتها التحتية.
ثالثاً: العلاقات الدولية والحضور الجيوسياسي.. دبلوماسية النجاعة والشراكات الاستراتيجية
تتميز الدبلوماسية المغربية تحت قيادة جلالة الملك بالوضوح، الحزم، وتنويع الشراكات، مع جعل قضية الوحدة الترابية للمملكة النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم:
الاعتراف بالصحراء المغربية: حصدت الدبلوماسية المغربية نجاحات تاريخية تجسدت في التزايد المستمر للاعترافات الدولية بمغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي، وافتتاح عشرات القنصليات في مدينتي العيون والداخلة.
الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية: تمثلت في الاعتراف التاريخي للولايات المتحدة بسيادة المغرب الكاملة على صحرائه، وتوطيد التعاون المالي، الأمني، والعسكري، واستمرار نجاح اتفاقية التبادل الحر وتمرينات “الأسد الأفريقي”.
تجديد الشراكة التاريخية مع فرنسا: شهدت العلاقات المغربية الفرنسية دفعة استراتيجية نوعية تمثلت في تأكيد فرنسا لدعمها الصريح والمبدئي لسيادة المغرب على صحرائه في إطار مبادرة الحكم الذاتي، ومواكبة ذلك باتفاقيات ومشاريع استثمارية ضخمة في مجالات الطاقة، النقل، والبنية التحتية.
الانفتاح الأفرواسيوي والأورو-متوسطي: رسخ المغرب عودته إلى البيئة الأفريقية عبر مشاريع هيكلية كبرى (مثل مشروع خط أنابيب الغاز المغرب-نيجيريا والمبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي)، إلى جانب تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع دول الخليج العربي، الصين، الهند، والشركاء الأوروبيين كإسبانيا.
خاتمة
إن عيد العرش المجيد ليس مجرد محطة لتجديد عرى البيعة والولاء بين العرش والشعب، بل هو محطة سنوية للوقوف بكبرياء على ما تحقق من أمجاد وإنجازات، واستشراف مستقبل أفضل بكل ثقة وطموح. إن المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، يواصل بخطى ثابتة مسيرة التحديث والتنمية، مجسداً نموذجاً استثنائياً في المنطقة للنمو، الاستقرار، والريادة الدولية.
حفظ الله مولانا امير المؤمنين صاحب الجلالة نصره الله .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *