كتابة الضبط بين وهم العبور إلى غيرها وواجب تحصين ذاتها

كتابة الضبط بين وهم العبور إلى غيرها وواجب تحصين ذاتها
متابعة مجلة 24

ليس الجدل القائم اليوم حول مطالب بعض موظفي كتابة الضبط بولوج مهنة المحاماة مجرد نقاش مهني عابر أملته مناسبة تشريعية ظرفية، ولا هو تفصيل جزئي ضمن تعديلات مشروع قانون ينظم مهنة بعينها، وإنما هو في تقديري مرآة كاشفة لاختلال أعمق، يتصل بنظرتنا نحن إلى مهنتنا قبل أن يتصل بنظرة غيرنا إلينا.

فحين تنصرف همة بعض الزملاء إلى البحث عن منفذ خاص نحو مهنة المحاماة، أو غيرها من المهن القانونية والقضائية، كالقضاء، أو خطة العدالة، أو مهنة المفوضين القضائيين، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح قبل كل مطالبة وقبل كل تعديل هو: لماذا أصبح سقف طموحنا المهني هو مغادرة كتابة الضبط لا الارتقاء بها؟ ولماذا نستميت في طلب الاعتراف بنا من خلال الولوج إلى مهن أخرى، بدل أن نناضل من أجل أن تنتزع مهنتنا مكانتها الطبيعية داخل منظومة العدالة؟

إن كتابة الضبط ليست ممرا إداريا ضيقا، ولا وظيفة هامشية على رصيف المحكمة، ولا جهازا تقنيا تابعا لا يرى إلا من خلال الملفات والسجلات والإجراءات. إنها ذاكرة المحكمة، وعصبها الإداري، ولسانها التوثيقي، وذراعها الإجرائي، ومحل تماس مباشر مع المتقاضين والمهنيين وسائر المتدخلين في العدالة. وإذا كان القاضي ينطق بالحكم، والمحامي ينهض بحق الدفاع، فإن كتابة الضبط هي التي تحفظ للحكم أثره، وللمسطرة انتظامها، وللملف حياته، وللإجراء حجته، وللمحكمة انتظامها اليومي الصامت.

لذلك فإن المطالبة الجماعية أو شبه الجماعية بفتح أبواب المهن الأخرى أمام موظفي كتابة الضبط، وإن بدت في ظاهرها مطلبا حقوقيا أو مهنيا، فإنها تحمل في باطنها معنى لا يخلو من قسوة، وهو أن مهنتنا لم تعد في نظر بعض المنتسبين إليها غاية تستحق التحصين، بل صارت مجرد عتبة للعبور. وهذا، في عمقه، ليس دفاعا عن كتابة الضبط، بل هو إقرار ضمني بدونيتها، وإعلان غير مباشر بأن الخلاص المهني لا يكون داخلها، وإنما بالفرار منها.

وما أخشاه أن يتحول هذا الخطاب إلى ثقافة راسخة، يصبح معها الانتماء إلى كتابة الضبط وضعا مؤقتا، والوفاء لها سذاجة مهنية، والبقاء فيها علامة عجز عن النفاذ إلى مهنة أخرى. وحين يبلغ الوعي المهني هذا المنحدر، فلا يحق لنا بعد ذلك أن نلوم غيرنا إذا لم يقدرنا حق قدرنا؛ لأن أول من بادر إلى التقليل من شأن المهنة هم بعض أهلها حين جعلوا أفقهم الأسمى أن يغادروها.

إن المهن لا تعظم بكثرة المغادرين منها، ولا تترسخ هيبتها بكثرة من يطلبون استعمالها جسرا إلى غيرها، وإنما تعظم حين يؤمن أهلها بأنها تستحق أن تبنى من داخلها، وأن تصان خصوصيتها، وأن يرفع سقفها الاعتباري والمادي والقانوني، وأن يعاد تعريف موقعها داخل الإدارة القضائية تعريفا يليق بما تضطلع به من وظائف دقيقة وخطيرة.

كان الأولى، في تقديري، أن يتوجه الجهد الجماعي إلى المطالبة بنظام أساسي أكثر إنصافا، ومسار مهني أكثر جاذبية، وتكوين متخصص أكثر عمقا، وتحفيزات مادية ومعنوية أكثر عدلا، وحماية قانونية أوضح لموظفي كتابة الضبط أثناء مباشرتهم لمهامهم، وإعادة نظر في طبيعة المسؤوليات المسندة إليهم، وإقرار مكانة مؤسساتية توازي جسامة الأعباء التي يحملونها. أما أن نجعل معركتنا الكبرى هي كيف نغادر إلى مهنة أخرى، فذلك قلب لمركز الثقل، وإضاعة لجوهر القضية.

ثم إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بجرأة هو: ما موقف الزملاء أنفسهم لو صدر غدا قانون يسمح بولوج ميسر لمنتسبي المهن القانونية والقضائية الأخرى إلى هيئة كتابة الضبط؟ هل كنا سنعتبر ذلك اعترافا بقيمة مهنتنا أم عدوانا عليها؟ هل كنا سنقبل أن يقال إن خبرة المحامي أو العدل أو المفوض القضائي أو غيره تخول له الاندماج الميسر في كتابة الضبط؟ أم كنا سننتفض دفاعا عن خصوصية المهنة ومسارها وكفاءتها وتجربتها العملية؟

إن الإنصاف لا يقبل التجزئة. فمن يدافع عن خصوصية مهنة حين يكون خارجها، ينبغي أن يحترم خصوصية المهن الأخرى حين يطلب الولوج إليها. ومن يرى أن تجربته في كتابة الضبط تكفي وحدها لعبور أبواب المحاماة، عليه أن يقبل، من باب المماثلة المنطقية، أن تجربة غيره في مهنة قانونية أخرى قد تكفي لعبور أبواب كتابة الضبط. فإن استثقل الثانية، فليتأمل الأولى.

وليست الغاية من هذا الكلام الانتقاص من مهنة المحاماة، فهي مهنة حرة مستقلة، وجزء من أسرة القضاء، وتضطلع بوظيفة نبيلة في الدفاع عن الحقوق والحريات، كما نصت على ذلك فلسفة مشروع القانون نفسه. وليست الغاية كذلك مصادرة حق أي فرد في اختيار مساره المهني متى استوفى الشروط العامة المقررة قانونا. فمن أراد أن يغادر كتابة الضبط إلى المحاماة أو غيرها فذلك شأنه، وله أن يسلك الطريق العام الذي يسلكه غيره، وأن يحتكم إلى الشروط نفسها، وأن يتحمل كلفة اختياره كاملا

لكن الذي أرفضه هو أن يتحول الأمر إلى مطلب فئوي يقدم وكأنه انتصار لكتابة الضبط، بينما هو في الحقيقة شهادة ضدها. فمن كان يرى في مهنته مجرد محطة انتظار، فليغادرها دون أن يلبس مغادرته لباس الدفاع عنها. ومن كان يعتقد أن كرامته المهنية لا تتحقق إلا بخلع صفته الأولى ولبس صفة أخرى، فالمشكلة ليست في القانون وحده، بل في الوجدان المهني ذاته.

إن كتابة الضبط لا تحتاج إلى من يستجدي لها أبواب الخروج، بل إلى من يفتح لها أبواب الاعتبار. لا تحتاج إلى من يطلب لها ممرات استثنائية نحو غيرها، بل إلى من ينتزع لها وضعا يليق بها داخل بنيان العدالة. ولا تحتاج إلى من يقول إن خلاص موظفيها في أن يصبحوا محامين أو عدولا أو مفوضين أو قضاة، بل إلى من يقول إن كاتب الضبط ينبغي أن يكون معتزا بصفته، متمسكا برسالته، مدافعا عن مهنته، راغبا في إصلاحها لا في هجرها.

وعلى هذا الأساس، فإنني أرى أن كل خطاب يجعل الارتقاء المهني مرادفا لمغادرة كتابة الضبط هو خطاب غير وفي لروح المهنة. وكل مطلب يقدم الخروج منها باعتباره مكسبا جماعيا هو، من حيث لا يشعر أصحابه، تبخيس لها. فالكرامة المهنية لا تصنعها أبواب الهجرة إلى مهن أخرى، وإنما يصنعها الإيمان بالمهنة، والغيرة عليها، والإصرار على تحصينها، وتجويد أوضاع المنتسبين إليها، وترسيخ مكانتها بين باقي مكونات العدالة.

ومن أراد، من الزملاء، أن يلتحق بمهنة من المهن القانونية، فالباب القانوني العام مفتوح له كما هو مفتوح لسائر المواطنين متى توفرت الشروط. أما أن نجعل من كتابة الضبط سلما جماعيا للعبور إلى غيرها، فذلك ما لا أراه إنصافا لها ولا وفاء لتاريخها ولا احتراما لمن ظلوا يحملون عبئها اليومي في صمت ونبل وتجرد.

وخلاصة القول أن المعركة الحقيقية ليست أن ننتزع امتيازا للخروج من كتابة الضبط، بل أن ننتزع اعترافا حقيقيا بالبقاء فيها. ليست المعركة أن نسأل: كيف نصير محامين؟ بل أن نسأل: كيف نجعل كتابة الضبط مهنة مصانة، جاذبة، معتبرة، ذات أفق، وذات كرامة مؤسساتية لا تقل عن غيرها من المهن القانونية والقضائية؟

فمن احتقر مهنته وهو فيها، لن يعظمها إذا غادرها. ومن لم ير في كتابة الضبط إلا جسرا إلى غيرها، فقد غادرها معنويا قبل أن يغادرها إداريا. أما من بقي وفيا لها، مطالبا بإصلاحها وتحصينها، مؤمنا بأنها تستحق أن تكون غاية لا ممرا، فهو وحده الذي ينصرها حقا، ولو لم يرفع صوته كثيرا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *