درس في العلاقات الدولية من الحرب العالمية إلى الحرب الباردة فالحرب الأوكرانية وانتهاء بالفوضى

درس في العلاقات الدولية من الحرب العالمية إلى الحرب الباردة فالحرب الأوكرانية وانتهاء بالفوضى
نزار القريشي 

بعد الحرب العالمية الثانية، والتي كانت امتدادا طبيعيا للحرب العالمية الأولى، نتيجة معاهدة ” فرساي” المجحفة في حق الأمة الجرمانية، وبعد نتائجها و مقرراتها أصبح كل من الاتحاد السوفيتي و الولايات المتحدة الأمريكية القوتان العظميتان ، بعد دمار أوروبا حيث انقسمت إلى شرقية وغربية، تتبع كل منهما إلى مجالات نفوذ طرفي الحرب الباردة

هذا، وقد سعى الغرب إلى مواجهة تمدد الاتحاد السوفيتي، والتحفظ على عودة و استعادة ألمانيا لقوتها و مكانتها. وبعد مفاوضات سرية بين المملكة المتحدة و كندا و الولايات المتحدة الأمريكية، تم الإعلان عن تأسيس حلف دفاعي مشترك سمي حلف شمال الأطلسي”الناتو”، وذلك بواشنطن بتاريخ 4- 4- 1949 . وقد ضم حينها 12 دولة، وهو تحالف سياسي و عسكري، و هو ما أصبحت معه أوروبا الغربية تحت حماية الولايات المتحدة الأمريكية،و إزاء هذا المستجد في العلاقات الدولية ، وبعد حصول الاتحاد السوفيتي على التقنية النووية بتاريخ 29-08-1949 م، أصبح العالم في وضع الحرب الباردة. وفي سنة 1950 م، سيتبلور وضع كوريا المنقسمة نتيجة الصراع بين الاتحاد السوفيتي و الولايات المتحدة الأمريكية، و بعدما أصبح “ ازنهاور” أول قائد أعلى لحلف الناتو ، حيث أعلن سنة 1952 عن انضمام تركيا و اليونان للحلف ، وإعلان اسم أمين عام ” للناتو” و نقل مقره من لندن إلى باريس و بعد رفض الفرنسيين و البرلمان الفرنسي لتواجد 30 ألف جندي أمريكي على أراضيهم، تم نقل مقره إلى بلجيكا، وتمت الموافقة على تسليح ألمانيا الغربية و دخولها للناتو، وبعد أيام قليلة استجابت الكتلة الشرقية لإنشاء حلف ” وارسو”، وهو تحالف عسكري سياسي بين دول أوروبا الشرقية حيث التقى حلف الناتو وحلف وارسو على جانبي الحدود التي تفصل ألمانيا الغربية و الشرقية. في هذ المرحلة، وبعد حصول مالطا والجزائر و قبرص على الاستقلال و التحرر من الحقبة الاستعمارية، سيشهد العالم عام 1974 محاولة انقلاب في قبرص حيث اجتاحت القوات التركية الجزيرة عسكريا، و في السنوات التالية، قام الاتحاد السوفيتي بنشر صواريخ نووية باتجاه أوروبا الغربية حيث دفع هذا الحدث بتجدد الصراع، وكرد فعل قرر الناتو تثبيت صواريخ جديدة في أرض خمس دول أعضاء رغم أن “الناتو” سعى إلى تخفيف التوتر مع الاتحاد السوفيتي. فإبان هذه المرحلة عادت اليونان إلى القيادة المتكاملة للناتو ،وبعدها بسنتين 1982 تم قبول إسبانيا في الحلف ، ولكن ليس في الهيكل العسكري المتكامل، وذلك بسبب وفاة الجنرال “فرانسسكو فرانكو” سنة1975 م.

بعد سنوات سيشهد الاتحاد السوفيتي وضعا اقتصاديا هشا وكارثيا على المستوى الصناعي و الفلاحي ، وسيعرف ركودا بعد إغراقه و توريطه في حرب أفغانستان، وبعد حادثة “تشرنوبل” سنة 1986 م، ضعف الاتحاد السوفيتي حيث بدأ سقوط الحكومات الموالية له الواحدة تلو الأخرى.

وفي عام 1989 م، تم هدم جدار برلين، و شهد انخراط الزعيم السوفيتي “ميخائيل غورباتشوف” في مفاوضات مع الغرب وبدء اجتماعات حول توحيد ألمانيا من شرقية و غربية إلى ألمانيا الاتحادية، غير أن “غورباتشوف” كان يريدها محايدة ، بينما الغرب يريدها ضمن الناتو، و بعد مفاوضات طويلة و تعهدات شفاهية، لم يحترم الغرب تعهداته، و بدأ بقبول انضمام دول البلطيق، حيث تم حل حلف “وارسو” و الاتحاد السوفيتي وإعلان نهاية الحرب الباردة

تلا هذه الحقبة، أن أضعفت حركات الاستقلال دولة “يوغسلافيا”، وأعلن استقلال “البوسنة و الهرسك” وبعدها سلوفينيا و كرواتيا و مقدونيا، لكن الأقلية الصربية التي تسكن البلد الجديد، تعلن استقلالها و تبدأ حصار ” سرايفو” حيث طلبت ” الأمم المتحدة” من “الناتو” القيام بدوريات في البحر “الأدرياتيكي” لفرض حضر وصول الأسلحة إلى يوغسلافيا وبعد الأزمة الصربية –البوسنية، و أزمة كوسوفو، تم إنهاء الأزمة اليوغسلافية.

غير أنه سنة 1999 م، يضم الناتو إلى عضويته كل من جمهورية بولندا و التشيك و المجر . و بعد حدث يوم 11-09-2001 م، الذي شهدته نيويورك ، والذي تبناه “تنظيم القاعدة” والذي بقي موضع شك و تأويل، حيث اتضح فيما بعد أنه جاء كمبرر و ذريعة لشن الحرب على ” الإسلام”. فقرر الناتو تفعيل المادة الخامسة من ميثاقه وتشكيل تحالف عسكري تحت مسمى “الحرب على الإرهاب” بالدخول لأفغانستان، وإسقاط حكومة ” حركة طالبان” الإسلامية . وبعد انشغال الولايات المتحدة و التحالف الغربي في الحرب الأفغانية والحرب التي تلتها مباشرة ضد العراق. استغلت كل من “موسكو” و “بكين” الانشغال الغربي في حربي أفغانستان والعراق لتوفير “فائض قوة”، وهو ما كان.

و بعد تولي الناتو للعملية العسكرية في العراق، يطلب منه تدريب القوات العراقية الجديدة بعد إسقاط نظام الرئيس العراقي “صدام حسين”.

من جانب الآخر، تبقى رغبة الناتو في التمدد لا تعرف حدودا. فضم إليه سنة 2004 م ، سلوفاكيا و سلوفينيا و رومانيا و بلغاريا. غير انه سنة 2005 م ، سيتدخل الاتحاد الأفريقي في حرب دافور ، ويطلب من الناتو الدعم و يحصل على دعمه اللوجستيكي و الجوي، وفي تطور أكثر استفزازا لروسيا سنة 2008 ، جورجيا ستجري استفتاء للانضمام للناتو ، و بعد ذلك بسنة ” 2009″ كرواتيا و ألبانيا تنظمان إليه، وفي سنة 2011 يتدخل الناتو في الأزمة الليبية ، والتي شهدتها المنطقة العربية ، و عرفت إسقاط بعضا من حكوماتها نتيجة ثورات شعبية تحت المسمى الإعلامي المعروف ب ” الربيع العربي”.حيث تدخل الناتو في مدينة ” سرت” و عجل بإسقاط نظام الرئيس الليبي ” معمر القذافي”.

إلى ذلك، تشهد سنة 2014 م ، سقوط الحكومة الأوكرانية الموالية لموسكو، بعد احتجاجات مؤيدة لأوروبا اتهمت روسيا “البنتاغون” بتنظيمها، فتستغل موسكو الفوضى و تضم جزيرة ” القرم” ، وردا على ذلك علّق الناتو التعاون مع روسيا الاتحادية، وضم أعضاء جددا سنة 2017 م، وهما جمهوريتي الجبل الأسود و مقدونيا. وفي تطور لافت شهده عام 2021 م ، صرح أعضاء الناتو في بروكسيل بنيتهم في دمج أوكرانيا في الحلف، بموازاة مع مغادرة القوات الغربية لأرض الأفغان دون أن تنجح في هزيمة حركة ” طالبان”، والذين استعادوا الحكم على البلاد بالكامل بعد 20 عاما، من الحرب التي كانت مكلفة للغرب، وفي نفس العام نادى الرئيس الروسي ” فلاديمير بوتن” الناتو للتفاوض حول عدم توسعه غرب الحدود الروسية، وفي غياب رد من الناتو ، قررت روسيا في يوم 24 فبراير من سنة 2022 م ، ما أسمته بالعملية العسكرية ضد أوكرانيا، فحين استمر الناتو في التوسع أقصى غرب شمال أوروبا بضمه فلندا و السويد.

في السياقات ذاتها، ومع استمرار الحرب في أوكرانيا إلى حدود هذا التاريخ ، يبقى تفسير سلوك الدول حسب علم السياسة ومجال العلاقات الدولية، منحصر في صراع لا ينتهي بين مفاهيم الواقعية و الليبرالية، وهو ما قد يساعد في فهم ما يجري من صراعات حدثت في الماضي و تحدث في الحاضر و ستحدث في المستقبل، إذ أن الواقعية لها منطق واضح في النظر العقلي إلى العالم تؤكد أن العالم فوضوي وتسوده الفوضى، في غياب سلطة مركزية تلملم تناقضاته، وتنظم سلوك الدول في ما بينها، وهو ما يفسر اعتداء دول على أخرى ، و يبلور التوجس الدائم للدول من بعضها البعض، وهو ما يؤكد أنه لا فرق بين الدول الدكتاتورية و الديمقراطية . فسياسة النموذجين محكومة بتوازن القوة ، وهو ما يعرف بمجالات النفوذ بالنسبة للدول الإقليمية و العظمى، وهو ما خبرناه من التاريخ إبان أزمنة الإمبراطوريات التي شهدها العالم في عهود سابقة أو حالية، وهو ما ينتج عن امتلاك “فائض القوة” لدى الدول و يؤدي إلى أطماع توسعية من خارج الحدود طبعا حدود الدول الكبرى، وهو ما عرف بداية ب “عقيدة مونرو” سنة 1823 م ، وعرف مع “كارتر” أواخر السبعينيات و أوائل الثمانينيات، إذ أن الاعتداء على مناطق النفوذ لتلك الدول سبب مباشر للدخول في حرب ضد أي اعتداء، فالصراع على الساحة الأوكرانية بين المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية وضدها نظيرتها الليبرالية، و هذا التداخل في مجالات النفوذ، والذي أدى إلى صدام دولي، هو ما حركه الوعي الجمعي الإمبراطوري للأمة الغربية و للأمة الروسية، إذ إن هذه الفوضى الذي يعيشها العالم في ظل المناداة بعالم متعدد الأقطاب، و أمام هذا الأفق المسدود، والذي يؤرخ للحظات اللانهزام و اللانتصار، وفي ظل أن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا و فرنسا دولا نووية، وفي ظل أيضا أن روسيا و الصين و كوريا الشمالية دولا نووية، يبقى السؤال المنطقي و الراهن هو من سينتصر على من ؟ إذ أن الجواب على هذا السؤال هو أنه لا أحد سيهزم الآخر ولا أحد سينتصر على الآخر. ليبقى الحل هو انخراط كل الدول في حكومة عالمية ، و هذا يعد نتيجة حتمية للحروب الجارية و القادمة. لتتمكن في النهاية هذه الحكومة العالمية، من لملمة التناقضات و إعادة ضبط للمجتمعات و الفوضى التي يشهدها العالم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *