حروب المجهر: هل يملك المغرب “مصل” النجاة في زمن الأوبئة المصنوعة؟

حروب المجهر: هل يملك المغرب “مصل” النجاة في زمن الأوبئة المصنوعة؟
سعيد حفيظي

لم يعد من قبيل الترف الفكري القول إن العالم الذي عرفناه قبل سنوات قد ولى إلى غير رجعة، وأن موازين القوى الدولية التي كانت تُرسم في ثكنات الجيوش باتت اليوم تُخط بمداد العلم داخل المختبرات البيولوجية المظلمة. إننا نعيش اليوم فصلاً جديداً من فصول التاريخ، حيث لا تواجه البشرية فقط صراعاً على الموارد أو الحدود، بل تواجه نوعاً من الحروب الصامتة والفتكة، حروب الفيروسات والأوبئة التي لا تكتفي بفتك الأجساد، بل تهدم الحجر وتشلّ حركة التاريخ وتُسقط كبريات الاقتصادات في زمن قياسي. ومع عودة فيروس “هانتا” للظهور من جديد، وما يرافقه من هلع جماعي يلوح في الأفق، نجد أنفسنا أمام تساؤل سياسي وأخلاقي عميق حول مدى جاهزية المنظومات الصحية التي أثبتت جائحة كوفيد السابقة أنها قد تنهار في لحظات حرجة مهما بلغت درجة تطورها.
إن المملكة المغربية اليوم، ومن منطلق الوعي بالتحولات الجيوسياسية الكبرى، تجد نفسها في قلب معركة السيادة بمفهومها الشامل، فالأمن الصحي لم يعد مجرد قطاع اجتماعي تكميلي، بل أصبح ركناً حصيناً من أركان الأمن القومي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري. ومهما تعددت الفرضيات حول مصادر هذه الأوبئة، وهل هي طفرات طبيعية أم “صناعات” مخبرية تخضع لأجندات خفية، فإن الحقيقة المؤكدة هي أن الدول التي تتأخر في الاستثمار في البحث العلمي وفي كرامة أطقمها الطبية، هي أول من سيُسحق تحت أقدام الأزمات القادمة. لذا فإن تقوية القطاع الصحي العمومي وتحسين ظروف اشتغال “أصحاب البذلات البيضاء” باعتبارهم خط الدفاع الأول، لم يعد خياراً خاضعاً للمزايدات، بل هو استثمار ضروري في الاستقرار الوطني.
إن الحفاظ على هذا الأمن الصحي يقتضي بالضرورة تطوير آليات اليقظة والرصد المبكر، والقطع مع التبعية القاتلة لأسواق الخارج التي تنكمش على نفسها في أوقات الأزمات لسد حاجياتها أولاً من الدواء والغذاء. ومن هنا تبرز أهمية الرؤية الاستراتيجية التي تتبناها المملكة في تطوير الصناعات الدوائية والتحول الرقمي، وهي تجارب مهمة راكمها المغرب ويمكن البناء عليها لتعزيز المناعة الوطنية ضد الصدمات المفاجئة. إن القوة في المديين القريب والمتوسط لن تُقاس بعدد الرؤوس النووية، بل بالقدرة على الابتكار وتأمين السيادة الرقمية والغذائية، بعيداً عن الغرق في “زمن الرداءة” والتفاهة التي تقتل الوقت وتعرقل ركب المشاريع الملكية الكبرى وأهدافها الطموحة. في نهاية المطاف، إن من يريد البقاء في هذا العالم المضطرب، عليه أن يمتلك الوعي العميق بأن حروب المستقبل تُحسم بالتفوق العلمي، وأن الاستعداد لأسوأ السيناريوهات هو السبيل الوحيد لضمان مكان تحت شمس السيادة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *