حين تتحول سيارة الإسعاف إلى “غنيمة انتخابية”… طفل مريض بفقر الدم يفضح العبث بجماعة امزورة ضواحي سطات
مرة أخرى، تعود معاناة المواطن البسيط إلى الواجهة بإقليم سطات، لكن هذه المرة من بوابة طفل لم يتجاوز عمره 11 سنة، وجد نفسه في مواجهة مرض مزمن وفقر اجتماعي و”بلوكاج” إنساني لا علاقة له لا بالسياسة ولا بالحسابات الانتخابية الضيقة.
القصة بدأت بشكاية وجهها أحد المواطنين القاطنين بدوار أولاد سيدي رحال، التابع لجماعة امزورة، إلى عامل إقليم محمد حبوها، يطالب فيها بالتدخل العاجل لتمكينه من الاستفادة من سيارة إسعاف لنقل ابنه المريض بداء فقر الدم الحاد، وهو المرض الذي يتطلب تتبعا طبيا مستمرا وتدخلا سريعا كلما تدهورت حالته الصحية.
لكن يبدو أن الحصول على سيارة إسعاف ببعض الجماعات القروية صار أصعب من الحصول على “رخصة لاكتشاف البترول”، رغم أن الجماعة ـ حسب مضمون الشكاية تتوفر على ثلاث سيارات إسعاف. غير أن الأب، وفي كل مرة يطلب فيها نقل ابنه إلى المستشفى، كان يُقابل بالرفض أو التسويف، وكأن الأمر يتعلق بخدمة فاخرة مخصصة للمحظوظين، لا بمرفق عمومي وُجد أصلاً لإنقاذ الأرواح.
الأخطر في هذه الواقعة، أن صاحب الشكاية لمح إلى وجود خلفيات انتخابية وتصفية حسابات ضيقة تتحكم في الاستفادة من خدمات من المفروض أن تكون متاحة لجميع المواطنين دون تمييز. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل أصبحت بعض سيارات الإسعاف “ملحقة انتخابية متنقلة” تُفتح أبوابها حسب القرب والولاء والانتماء؟ وهل تحولت معاناة المرضى إلى ورقة ضغط تُستعمل في الكواليس؟
المؤلم في القضية، أن الأب اضطر في إحدى المرات إلى الاستعانة بسيارة إسعاف تابعة لجماعة أخرى بمدينة سطات، وعلى نفقته الخاصة، فقط لإنقاذ ابنه من مضاعفات المرض. مشهد يلخص حجم المفارقة داخل بعض الجماعات: سيارات إسعاف مركونة، وصفارات لا تُسمع إلا في المناسبات، بينما المواطن يلهث بين أبواب الإدارات بحثا عن “حق دستوري” اسمه العلاج.
فأي معنى لاقتناء سيارات إسعاف من المال العام إذا كانت تتحول إلى موضوع مزاج أو حسابات شخصية؟ وأي قيمة للشعارات الرنانة حول “القرب من المواطن” حين يصبح طفل مريض ضحية صراعات صغيرة لا ترحم لا المرض ولا الفقر؟
الشارع المحلي اليوم لم يعد يطالب بالخطب والبلاغات، بل بالمحاسبة وربط المسؤولية بالمساءلة، خاصة حين يتعلق الأمر بقطاع حساس يمس حياة المواطنين بشكل مباشر. لأن سيارة الإسعاف ليست امتيازا انتخابيا، ولا وسيلة لاستعراض النفوذ، بل مرفق إنساني قبل كل شيء.
وفي خضم هذا العبث، برز بصيص أمل خارج الحسابات الضيقة، بعدما تدخل أحد المحسنين بمدينة سطات، وقام بتوفير سيارة إسعاف خاصة لنقل الطفل المريض من أجل تلقي العلاج، في خطوة أعادت شيئاً من الإنسانية إلى مشهد اختلطت فيه السياسة باللامبالاة، ونجح فيها “فاعل خير” فيما عجزت عنه جماعة يفترض أنها وُجدت لخدمة المواطنين.

