في سياق الجدل المحتدم حول انفتاح مهنة المحاماة على الأكاديميين الجامعيين

في سياق الجدل المحتدم حول انفتاح مهنة المحاماة على الأكاديميين الجامعيين
الدكتور المصطفى قاسمي  استاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية جامعة الحسن الاول .

يتجاوز النقاش الحقيقي مجرد التساؤل السطحي عن المستفيد الأكبر. إن هذا الاختزال يغفل جوهر المسألة التي تتجلى في طبيعة المهنة ذاتها: هل هي مجرد سوق لتقديم الخدمات القانونية، أم أنها مؤسسة معرفية متجذرة في بنية الدولة، تسهم في إنتاج المعنى القانوني وتوجيه مسارات تطوره؟

في العديد من الأنظمة القانونية المقارنة، لم يطرح هذا التساؤل بحدة مماثلة، نظراً لأن التجربة العملية قد حسمت الأمر مبكراً. ففي دول مثل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، لا يمثل التداخل بين الحقل الأكاديمي والممارسة المهنية استثناءً، بل هو جزء لا يتجزأ من النسيج الهيكلي للنظام القانوني.

لكن التساؤل الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم هو: ما هي المكاسب التي تجنيها مهنة المحاماة، ككيان جماعي، من هذا الانفتاح؟

أولاً: المحاماة تكتسب ما لا يُقدر بثمن في السوق: المعرفة المتعمقة

قد يضيف الأستاذ الجامعي دخلاً شخصياً، وقد يحظى بامتيازات مهنية ورمزية، إلا أن العائد الحقيقي للمحاماة يتجاوز ذلك بكثير: إنها تستثمر في “رأس المال المعرفي”. فالجامعة تنتج ما لا يمكن للممارسة اليومية أن توفره:

 • تحليلاً نظرياً معمقاً للنصوص القانونية.

 • قراءة مقارنة للتشريعات عبر السياقات المختلفة.

 • تفكيكاً للمفاهيم القانونية وإعادة تركيبها بمنهجية علمية.

عندما يندمج هذا الرصيد المعرفي في صلب المهنة، فإن المحاماة تنتقل من منطق “التطبيق العملي” إلى منطق “الإنتاج القانوني” الفاعل.

ثانياً: من الدفاع المحدود إلى التأثير الفاعل في صياغة القانون

بينما يقتصر دور المحامي في صورته التقليدية على الدفاع ضمن نطاق القضية المعروضة، فإن المحامي في صورته المتقدمة يسهم بفعالية في تشكيل القاعدة القانونية ذاتها. ففي النظام القانوني الأمريكي، ارتبطت العديد من التحولات الجوهرية في الفقه الدستوري بمرافعات صاغها أساتذة القانون، والتي أفضت لاحقاً إلى توجيه مسار قرارات المحكمة العليا الأمريكية.

هنا، تتحول المحاماة من:

طرف في النزاعإ لفاعل استراتيجي في إنتاج القانون

وهذا يمثل تحولاً نوعياً في القيمة المضافة للمهنة.

ثالثاً: تحصين المهنة من الانجراف نحو المنطق التجاري البحت

يتمثل الخطر الكامن الذي يتهدد بعض المهن الحرة في تحولها التدريجي إلى منطق تجاري صرف، حيث تقتصر على تقديم الخدمات، وتشتد المنافسة السعرية، وتتحول العلاقة إلى مجرد بائع ومستهلك.

إن دخول الأساتذة الجامعيين لا يضيف مجرد “أشخاص” جدد، بل يضيف معياراً نوعياً آخر:

معيار المعرفة والجودة العلمية

في النظام البريطاني، لعب هذا التداخل دوراً محورياً في الحفاظ على هيبة المهنة القانونية ومنع اختزالها في إطار تجاري بحت.

رابعاً: تعزيز مكانة المحاماة داخل بنية الدولة

في أي نظام قانوني، لا تقتصر السلطة على سلطة النصوص فحسب، بل تمتد لتشمل سلطة التفسير. فعندما تكون المحاماة مدعومة برصيد أكاديمي راسخ، فإنها:

 • تكتسب تأثيراً أكبر في النقاش التشريعي.

 • تحظى بحضور أعمق في صياغة السياسات العمومية.

 • تصبح أكثر قدرة على تقديم بدائل قانونية مقنعة.

بمعنى آخر: ترتقي من مستوى “الفاعل المهني” إلى مستوى “الفاعل القانوني المؤثر” في المشهد العام.

خامساً: فتح آفاق جديدة لتطور المهنة ككل

لا يدخل الأستاذ الجامعي إلى المهنة بصفته فرداً فحسب، بل يجلب معه:

 • شبكات بحث دولية واسعة.

 • خبرة مقارنة غنية.

 • القدرة على العمل في مجالات تخصصية دقيقة مثل:

 ◦ التحكيم الدولي.

 ◦ القانون الاقتصادي المتقدم.

 ◦ القانون الدستوري المقارن.

وهذا لا يعود بالنفع على الأستاذ وحده، بل يعود على المهنة ككل، حيث تتسع مجالات عملها وتتجاوز الملفات التقليدية.

سادساً: رفع مستوى الثقة العامة في مهنة المحاماة

لا يثق المجتمع في المهنة لمجرد وجودها، بل لأنه يرى فيها قيمة مضافة حقيقية. فعندما تصبح المحاماة حاضنة:

 • للممارسين المحترفين.

 • وللأساتذة الأكاديميين.

 • وللباحثين المتخصصين.

فإن صورتها تتحول من “مهنة دفاع” إلى “مؤسسة فكر قانوني” رائدة. وهذا التحول الرمزي له أثر مباشر على:

 • ثقة المتقاضين في العدالة.

 • مكانة المهنة الاجتماعية.

 • وزنها في النقاش العمومي وصياغة الرأي العام.

ان السؤال ليس: هل يحصل الأستاذ على مكاسب أكبر؟ بل السؤال الأكثر دقة هو:

هل تستطيع مهنة المحاماة أن تحافظ على تأثيرها وفعاليتها دون أن تنفتح على المعرفة العميقة التي تنتجها الجامعة؟

تشير التجارب المقارنة بوضوح إلى أن المهن التي تنغلق على ذاتها تتحول إلى أنظمة تقنية محدودة التأثير، بينما المهن التي تنفتح على مصادر المعرفة تتحول إلى قوى فاعلة ومؤثرة في صياغة القانون نفسه. وفي هذا السياق، يمكن القول إن دخول الأساتذة الجامعيين إلى مهنة المحاماة ليس “تنازلاً” أو “امتيازاً أحادي الاتجاه”، بل هو إعادة تشكيل جوهرية للمهنة على أسس جديدة تعزز من دورها الفكري والمجتمعي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *