المحماة فضاء للعدالة لا امتياز مغلق.

المحماة فضاء للعدالة لا امتياز مغلق.
الدكتور المصطفى قاسمي  استاذ القانون الدستوري  جامعة الحسن الاول -سطات. كما فضاء للعدالة لا امتياز مغلق.  

ليست المحاماة مجرد مهنة منظمة بقواعد شكلية أو امتياز مهني مغلق، بل هي قبل ذلك وظيفة اجتماعية نبيلة تتقاطع فيها قيم الحرية والعدالة والمساواة. ومن ثم، فإن النقاش حول ولوج الأساتذة الجامعيين، خاصة المبرزين في القانون، إلى مهنة المحاماة، لا ينبغي أن يُختزل في اعتبارات فئوية ضيقة، بل يجب أن يُؤطر ضمن فلسفة الحقوق والحريات الدستورية، ومقتضيات الدولة القانونية الحديثة التي تجعل من الكفاءة العلمية رافعة أساسية لخدمة العدالة.

إن المنع أو التضييق على هذه الفئة لا يطرح فقط إشكالاً مهنياً، بل يثير تساؤلات عميقة حول مدى انسجام التنظيم المهني مع المبادئ الدستورية الكبرى.

أولاً: المحاماة كمهنة حرة في ضوء الدستور.

إن مبدأ حرية ممارسة المهن، ومن ضمنها المحاماة، يجد سنده في القواعد الدستورية التي تكرس:

* حرية المبادرة الفردية

* الحق في الشغل

* مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص

وعليه، فإن أي تنظيم قانوني لمهنة المحاماة يجب أن يظل منفتحاً وغير إقصائي، وألا يتحول إلى آلية للاحتكار المهني المقنع. فالمحاماة، بصفتها مهنة حرة، لا يمكن أن تُحاط بقيود تعسفية تمنع كفاءات علمية عالية من الولوج إليها، خاصة إذا كانت هذه الكفاءات تمثل قمة الهرم الأكاديمي القانوني.

ثانياً: الأستاذ الجامعي المبرز: شرعية علمية وكفاءة نوعية.

الأستاذ الجامعي، ولا سيما المبرز في القانون، لا يمثل مجرد حامل لشهادة عليا، بل هو:

* منتج للمعرفة القانونية

* مساهم في تطوير الفكر القضائي والتشريعي

* فاعل في تكوين الأجيال القانونية

إن إقصاء هذه الفئة من ولوج مهنة المحاماة يشكل مفارقة عجيبة، إذ كيف يُمنع من يدرّس القانون ويُحلله ويُنظّر له من ممارسته عملياً في ساحة القضاء؟

بل إن السماح للأساتذة بالولوج إلى المحاماة من شأنه أن:

* يعزز جودة الدفاع

* يرفع من مستوى الترافع

* يساهم في تجويد العمل القضائي

ثالثاً: بين التنظيم المشروع والاحتكار غير المشروع.

لا جدال في أن تنظيم مهنة المحاماة أمر مشروع، بل وضروري لضمان:

* أخلاقيات المهنة

* حماية المتقاضين

* حسن سير العدالة

غير أن هذا التنظيم يجب أن يظل في حدود المشروعية الدستورية، وألا ينقلب إلى آلية احتكارية تُقصي فئات معينة دون مبرر موضوعي.

إن أي قيد يُفرض على ولوج الأساتذة الجامعيين إلى المحاماة يجب أن يخضع لاختبار:

* الضرورة

* التناسب

* المشروعية

وهي معايير مستقرة في الفقه الدستوري المقارن.

رابعاً: المحاماة في خدمة الدولة والمجتمع.

إن المحاماة ليست خدمة خاصة، بل هي مرفق غير رسمي للعدالة، تساهم في تحقيق الأمن القانوني والقضائي. ومن ثم، فإن انفتاحها على النخب العلمية، وعلى رأسها الأساتذة الجامعيون، يعزز:

* ثقة المواطنين في العدالة

* جودة الخدمات القانونية

* دينامية الاجتهاد القضائي

إن الدولة الحديثة لا تخشى الكفاءات، بل تحتضنها وتُدمجها في مختلف مفاصلها، لأن الرهان الحقيقي هو نجاعة العدالة لا حماية الامتيازات.

خامساً: نحو تصور إصلاحي متوازن.

إن الحل لا يكمن في فتح مطلق أو إغلاق مطلق، بل في تصور إصلاحي متوازن يقوم على:

* إقرار حق الأساتذة الجامعيين في ولوج المحاماة

* وضع آليات لضمان التفرغ أو التوفيق بين المهام

* إخضاع الجميع لقواعد أخلاقيات المهنة دون تمييز

بما يحقق التوازن بين:

* استقلالية المهنة

* ومتطلبات الانفتاح على الكفاءة

خاتمة

إن الدفاع عن حق الأستاذ الجامعي في ولوج مهنة المحاماة ليس دفاعاً عن فئة، بل هو دفاع عن فكرة العدالة نفسها، وعن ضرورة انفتاحها على أعلى مستويات المعرفة القانونية.

فلا يمكن لدولة تدّعي ترسيخ دولة الحق والقانون أن تُقصي نخبتها العلمية من أحد أهم فضاءات تطبيق القانون. إن المحاماة، في جوهرها، ليست امتيازاً مغلقاً، بل رسالة مفتوحة لكل من يملك الكفاءة والنزاهة.

وعليه، فإن تكريس هذا الحق يشكل خطوة أساسية نحو:

* عدالة أكثر كفاءة

* ومهنة أكثر انفتاحاً

* ودولة أكثر انسجاماً مع مبادئها الدستورية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *