حين يدخل الأستاذ الجامعي إلى المحكمة ينتصر القانون
يثير النقاش الدائر حول أحقية الأستاذ الجامعي في ممارسة مهنة المحاماة الكثير من المواقف المتشنجة والانفعالية، وكأن الأمر يتعلق بصراع وجودي بين الجامعة والمحكمة، أو بين المعرفة الأكاديمية والممارسة المهنية، بينما الحقيقة أن هذا النقاش يجب أن يُطرح بمنطق أكثر عمقاً وهدوءاً، بعيداً عن الحسابات الفئوية الضيقة أو التخويف غير المبرر من حضور الأستاذ الجامعي داخل فضاء العدالة.
فالجامعة والمحكمة ليستا عالمين متناقضين، بل هما فضاءان متكاملان يجمعهما هدف واحد: خدمة القانون والانتصار للعدالة.
الأستاذ الجامعي حين يدرّس القانون لا يدرّس نصوصاً جامدة، بل يساهم في تكوين الوعي القانوني، وفي بناء أجيال قادرة على فهم الدولة والمؤسسات والحقوق والحريات. وحين يدخل هذا الأستاذ إلى المحكمة، فإنه لا يتحول إلى شخص آخر منفصل عن رسالته الأكاديمية، بل ينقل معه تراكمه المعرفي وخبرته العلمية ومنهجه التحليلي إلى فضاء المرافعة والدفاع.
إن المحاماة ليست مجرد تقنية إجرائية أو حرفة قائمة على حفظ المساطر القانونية، بل هي أيضاً إنتاج للفكر القانوني، وفهم عميق لفلسفة العدالة وروح التشريع وسياق النصوص.
ومن هنا، يصبح حضور الأستاذ الجامعي داخل مهنة المحاماة قيمة مضافة لا تهديداً للمهنة، لأن المعرفة القانونية المتخصصة قادرة على تطوير النقاش القضائي، ورفع جودة الترافع، وتعزيز الثقافة الحقوقية داخل المحاكم.
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الجمع بين الجامعة والمحاماة ليس خطراً على العدالة، بل رافعة لتطويرها.
فعدد كبير من كبار فقهاء القانون في العالم كانوا يجمعون بين التدريس الجامعي والمرافعة، لأن القانون في جوهره ليس علماً نظرياً معزولاً عن الواقع، وإنما ممارسة يومية تتغذى من الفكر كما يتغذى الفكر منها.
فكيف يمكن أن نطالب الجامعة بإنتاج معرفة قانونية حية ومتصلة بالمجتمع، ثم نرفض أن يحتك الأستاذ الجامعي بالواقع القضائي الذي يشكل المختبر الحقيقي لتطبيق القانون؟
إن الذين يرفضون هذا الجمع ينطلق بعضهم من تصور تقليدي يعتبر أن الأستاذ الجامعي يجب أن يبقى حبيس المدرجات والبحوث النظرية، وكأن المعرفة القانونية تُنتج في عزلة عن المجتمع والتحولات الواقعية.
بينما الحقيقة أن أخطر ما يمكن أن يصيب الجامعة هو الانفصال عن الواقع.
فالجامعة التي لا تتفاعل مع المحاكم والإدارة والمؤسسات العمومية تتحول تدريجياً إلى فضاء نظري مغلق، ينتج خطاباً أكاديمياً بعيداً عن نبض المجتمع وأسئلته الحقيقية.
ثم إن الأستاذ الجامعي ليس موظفاً عادياً حتى يُنظر إليه بمنطق إداري ضيق.
إنه باحث ومفكر ومؤطر علمي، ودوره يتجاوز حدود الوظيفة العمومية التقليدية نحو الإسهام في إنتاج المعرفة وتأطير النقاش العمومي.
ولهذا فإن اختزال الأستاذ الجامعي في مجرد إطار إداري خاضع لمنطق المنع والتقييد هو تبخيس لدور الجامعة نفسها ولمكانة البحث العلمي داخل المجتمع.
أما الحديث عن استقلالية المحاماة باعتبارها مبرراً لمنع الأستاذ الجامعي من ممارسة المهنة، فهو طرح يحتاج إلى كثير من التدقيق.
فالاستقلالية الحقيقية لا تُقاس بالصفة الإدارية فقط، بل تُقاس بمدى التزام الشخص بأخلاقيات المهنة وقدرته على ممارسة الدفاع بحرية ومسؤولية.
وإذا كان الأستاذ الجامعي قادراً على انتقاد السياسات العمومية داخل الجامعة، وممارسة البحث العلمي بحرية، وإنتاج خطاب قانوني نقدي، فلماذا يُفترض مسبقاً أنه سيكون عاجزاً عن ممارسة المحاماة باستقلالية؟
بل إن وجود أساتذة جامعيين داخل المحاكم قد يساهم في تعزيز البعد الفكري والحقوقي للمرافعات، ويمنح النقاش القضائي عمقاً أكبر، خصوصاً في القضايا الدستورية والإدارية وحقوق الإنسان والقضايا الاقتصادية المعقدة التي أصبحت تتطلب تكويناً أكاديمياً متخصصاً ودقيقاً.
ثم إن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: لماذا يريد الأستاذ الجامعي ممارسة المحاماة؟
بل: لماذا نخشى إدماج الكفاءة العلمية داخل منظومة العدالة؟
ولماذا يُنظر إلى المعرفة أحياناً باعتبارها تهديداً بدل اعتبارها دعامة أساسية لتطوير المهن القانونية؟
إن المحاماة لا تُضعفها الكفاءات العلمية، بل يقويها الانفتاح على الجامعة والبحث العلمي والتخصص الأكاديمي.
كما أن الأستاذ الجامعي حين يرافع لا ينتزع حقاً من أحد، بل يمارس حقاً مشروعاً في توظيف خبرته القانونية داخل المجتمع، تماماً كما يشارك في الندوات والاستشارات والتكوين والخبرة القانونية.
وفي العمق، يبدو أن جزءاً من هذا الجدل يخفي خوفاً من المنافسة أكثر مما يعكس حرصاً حقيقياً على استقلالية المهنة.
فالرهان اليوم يجب ألا يكون على إغلاق المهن وتقوية الأسوار الفاصلة بينها، بل على تطوير الكفاءة والجودة والتكوين المستمر، لأن العدالة الحديثة أصبحت تحتاج إلى تراكم معرفي متعدد التخصصات، لا إلى انغلاق مهني ضيق.
إن الأستاذ الجامعي حين يدخل إلى المحكمة لا يسيء إلى المحاماة، بل قد يعيد إليها شيئاً من عمقها الفكري ورسالتها الحقوقية.
فالقانون لا ينتصر فقط بالنصوص، بل ينتصر أيضاً بالعقول القادرة على فهمه وتأويله والدفاع عنه.
ولهذا، فإن حضور الأستاذ الجامعي داخل فضاء العدالة يجب أن يُنظر إليه باعتباره إضافة نوعية، لا تهديداً ينبغي مقاومته.
وفي النهاية، تبقى الجامعة والمحكمة جناحين أساسيين لبناء دولة القانون.
فإذا كانت الجامعة تنتج المعرفة القانونية، فإن المحكمة تُجسدها في الواقع.
وحين يلتقي الفكر القانوني بالممارسة القضائية، لا ينهزم القانون كما يروّج البعض، بل ينتصر القانون أكثر.

