الإجماع على الزويري… رسالة إلى من يهمه الأمر

الإجماع على الزويري… رسالة إلى من يهمه الأمر
بقلم الدكتور طلوع عبد الإله 

في السياسة، لا يكون الإجماع مجرد لحظة تنظيمية عابرة، بل يتحول—حين تتوفر شروطه—إلى خطاب قائم بذاته، يحمل من الدلالات ما يفوق أحيانًا كل البلاغات الرسمية. وما وقع داخل العائلة الاتحادية بسطات، من توافق شبه كامل حول منح التزكية لخليل الزويري، لا يمكن عزله عن سياق أعمق يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة المرحلة، وإلى حاجة التنظيم إلى إعادة تعريف ذاته بعد سنوات من الارتباك والتآكل الصامت.

الإجماع هنا ليس تصويتًا، بل تصحيح مسار. ليس تزكية اسم، بل محاولة لترميم معنى الانتماء الحزبي الذي تصدّع تحت ضغط اختيارات لم تكن في مستوى انتظارات القواعد ولا ثقة المواطنين. لذلك، فإن اختيار الزويري لا يُقرأ فقط من زاوية ما يملكه الرجل من رصيد مهني وتدبيري، بل من زاوية ما يمثله رمزيًا داخل الذاكرة الاتحادية المحلية: ابن عائلة سياسية متجذرة، تشكلت داخل رحم النضال الحزبي، وتحمل—على الأقل نظريًا—استمرارية مع تقاليد التنظيم وأخلاقياته.

لكن، لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الإجماع؟

لأن لحظة الاختيار جاءت بعد تراكم من الخيبات. لأن التنظيم، وهو يواجه عتابًا شعبيًا قاسيًا، وجد نفسه أمام مرآة تعكس صورة لم يكن يرغب في رؤيتها: حزب فقد جزءًا من بريقه، وقيادة محلية لم تستطع أن تقنع، وتجربة تمثيلية سابقة لم ترتقِ إلى مستوى المسؤولية، سواء في تدبير الشأن المحلي أو في أداء الأدوار التشريعية والرقابية. الحديث هنا ليس عن تصفية حسابات، بل عن وعي جماعي بأن الاستمرار بنفس المنطق يعني مزيدًا من الانحدار.

من هذا المنطلق، يصبح الإجماع على الزويري رسالة متعددة الاتجاهات.

أولًا، هو رسالة إلى الداخل الحزبي:

 كفى من التشتت والصراعات الهامشية التي أضعفت التنظيم وأفقدته بوصلته. الإجماع يقول إن القواعد، على الأقل في هذه اللحظة، اختارت أن توحد صفها خلف اسم ترى فيه إمكانية لإعادة بناء الثقة الداخلية، وإعادة الاعتبار للعمل الجماعي بدل منطق الزعامات الصغيرة.

ثانيًا، هو رسالة إلى القيادة الوطنية: أن القواعد المحلية لم تعد تقبل أن تُفرض عليها اختيارات لا تنبع من واقعها. وأن زمن التزكيات المبنية على الحسابات الضيقة أو التوازنات الظرفية يجب أن ينتهي، لأن كلفته السياسية أصبحت باهظة. ما حدث في سطات هو، في أحد وجوهه، تعبير عن رغبة في استعادة القرار الحزبي من القاعدة، لا كتمرد، بل كتصحيح ديمقراطي لمسار التنظيم.

ثالثًا، وهو الأهم، رسالة إلى المواطنين: أن الحزب، رغم تعثراته، لا يزال قادرًا على المراجعة. وأنه استوعب—ولو جزئيًا—درس المرحلة السابقة، التي جعلته في موقع مساءلة شعبية حقيقية. فالعتاب الذي يواجهه الاتحاديون اليوم ليس عاطفيًا، بل سياسي بامتياز: مواطنون فقدوا الثقة في ممثل لم يحقق انتظاراتهم، لا على مستوى تدبير الجماعة، ولا على مستوى الحضور البرلماني الفعّال. وهذا النوع من الفشل لا يسقط بالتقادم، بل يحتاج إلى شجاعة الاعتراف، ثم جرأة التصحيح.

غير أن الخطورة تكمن في تحويل هذا الإجماع إلى مجرد لحظة احتفالية. فالتجارب الحزبية في المغرب مليئة بلحظات التوافق التي سرعان ما تتحول إلى خيبات جديدة حين تصطدم بواقع الممارسة. لذلك، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الزويري—ومعه التنظيم—ليس في نيل التزكية، بل في ما بعدها.

هل يستطيع أن يحول رصيده المهني، في المجال المقاولاتي والرياضي، إلى نموذج في التدبير العمومي المحلي؟

هل يمكنه أن يعيد الاعتبار للعمل السياسي كفعل يومي قريب من المواطن، لا كحضور موسمي مرتبط بالمحطات الانتخابية؟

هل يمتلك الجرأة لقطع فعلي مع ممارسات أضرت بصورة الحزب، أم أنه سيجد نفسه أسير نفس الشبكات ونفس منطق التوازنات؟

هذه الأسئلة ليست للتشكيك، بل لتحديد سقف الانتظارات. لأن الرهان اليوم أكبر من شخص، وأعمق من تزكية. إنه رهان على استعادة الثقة في السياسة نفسها، داخل مدينة أنهكها الانتظار، وأتعبها تكرار نفس الوجوه ونفس الخطابات.

الإجماع على الزويري هو، إذن، رسالة إلى من يهمه الأمر:

إلى من يعتقد أن السياسة يمكن أن تستمر بمنطق الأمس، بأن القواعد قادرة على قلب المعادلة.

إلى من يراهن على ذاكرة قصيرة للمواطنين، بأن الفشل يُسجل ولا يُمحى بسهولة.

وإلى من ما زال يؤمن بأن الأحزاب يمكن أن تكون فضاءات حقيقية للإصلاح، بأن الفرص—رغم كل شيء—لا تزال ممكنة.

في النهاية، لا أحد يملك ضمانات النجاح، لكن المؤكد أن سطات اليوم ليست كما كانت بالأمس. وأن الإجماع، إن لم يُترجم إلى فعل، سيتحول إلى عبء جديد بدل أن يكون بداية خلاص. أما إن نجح في أن يتحول إلى دينامية إصلاح حقيقية، فقد يكون فعلاً… رسالة وصلت في وقتها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *