رؤى تطبيقية في تدريس التاريخ والجغرافيا وتكريم تربوي متميز: فعاليات ندوة وطنية بخريبكة
نظمت المفتشية الإقليمية للمواد الاجتماعية بشراكة مع جمعية مدرسات ومدرسي الاجتماعيات بإقليم خريبكة ندوة وطنية علمية متميزة، موسومة ب”ديدكتيك التاريخ والجغرافيا: رؤى نظرية وآفاق تطبيقية”، جمعت بين أساتذة باحثين وتربويين، حول قضايا ديدكتيكية وبيداغوجية راهنة تهم تدريس مادتي التاريخ والجغرافيا في ظل التحولات المعرفية والرقمية المعاصرة. وقد عرفت الندوة مشاركة أربعة متدخلين قدموا مداخلات غنية ومتكاملة، عالجت موضوعات مرتبطة بالفهم التاريخي، وهندسة التعلمات، وتنمية التفكير النقدي، وتوظيف الوسائط البصرية في التدريس.
استهلت أشغال الندوة بكلمة الأستاذ جمال الدين البوزيدي الذي رحب بالحضور، وافتتح اللقاء بكلمة ترحيبية أبرز فيها أهمية هذا الموعد العلمي في تعزيز النقاش التربوي حول مستجدات تدريس المواد الاجتماعية، مؤكدا على دور مثل هذه اللقاءات في تبادل الخبرات وتقاسم التجارب بين الفاعلين التربويين.
بعد ذلك، قدم الدكتور محمد صهود مداخلة مركزة، استهلها بتوجيه الشكر إلى المؤطرين وأعضاء اللجنة العلمية، مثمنا الجهود المبذولة في تنظيم هذا اللقاء. كما توقف عند أهمية الكتاب موضوع الندوة، كما بين مبررات المقال الذي ساهم به في الندوة، والذي تناول موضوع “الفهم في المعرفة التاريخية بين البعدين الإبستيمولوجي والسيكولوجي”، موضحا أن عملية الفهم تعد مركزية في بناء المعرفة التاريخية، إذ ترتبط بالتعريف والتفسير والتقييم … كما أكد أن تدريس التاريخ يتيح للمدرس إمكانية اعتماد طرائق متعددة لنفس الدرس حسب المستويات التعليمية المختلفة، مما يعكس مرونة المادة وثراءها الديدكتيكي.
أما الدكتور مولاي المصطفى البرجاوي، فقد تناول في مداخلته موضوع “هندسة التعلمات في مادة الجغرافيا وفق استراتيجية الفصل المعكوس: إعادة صياغة المثلث البيداغوجي في عصر الرقمنة”، حيث سلط الضوء على مجموعة من الإشكالات التي تواجه تدريس الجغرافيا، وفي مقدمتها الانفصام القائم بين الخطاب المنهاجي والممارسة الديدكتيكية داخل الفصل. كما أشار إلى أن التقويم التكويني ما يزال يمثل الحلقة المفقودة في المنظومة التعليمية المغربية، داعيا إلى إعادة التفكير في آليات تنزيل التعلمات بما ينسجم مع التحولات الرقمية الراهنة.
وفي مداخلة الأستاذ خالد مطيع، تم التطرق إلى موضوع “إسهام التاريخ الراهن في تنمية قدرات التفكير النقدي من خلال وحدات برنامج السنة الأولى”. وقد انطلق المتدخل من توضيح الفرق بين التفكير والفكر والتفكير النقدي، مبرزا أهمية إدماج التاريخ الراهن في الممارسة الصفية باعتباره مدخلا أساسيا لتطوير مهارات التحليل والنقد لدى المتعلمين، وتعزيز قدرتهم على فهم الواقع بشكل أعمق.
واختتمت المداخلات بكلمة الأستاذ جبير مجاهد الذي تناول موضوع “توظيف الفيلم الوثائقي في تدريس الجغرافيا في ضوء نظريات التعلم”. وقد أبرز أهمية الوسائط السمعية البصرية، وخاصة الفيلم الوثائقي، في جعل الدرس الجغرافي أكثر جاذبية وفاعلية، من خلال تمكين المتعلمين من بناء معارفهم بشكل بصري وتفاعلي، ينسجم مع مبادئ التعلم الحديثة القائمة على التشويق والتجسيد.
وقد شكلت هذه الندوة محطة علمية متميزة، أتاحت فرصا مهمة للنقاش وتبادل الرؤى حول سبل تجديد تدريس المواد الاجتماعية، في أفق تطوير الممارسات التربوية ومواكبة التحولات التي يعرفها الحقل التعليمي، كما تو توقيع كتاب “ديدكتيك التاريخ والجغرافيا: رؤى نظرية وآفاق تطبيقية”.
وقد شكلت هذه الندوة الوطنية أيضا محطة إنسانية وتربوية متميزة، تم خلالها الاحتفاء بالأستاذ جمال الدين البوزيدي، الذي أنهى مساره المهني بالإحالة على التقاعد، بعد سنوات طويلة من العطاء المتواصل داخل المنظومة التربوية بإقليم خريبكة. وقد جاء هذا التكريم اعترافا بما أسداه من خدمات جليلة في مجال تدريس المواد الاجتماعية، وإسهاماته في تأطير الأطر التربوية والمساهمة في الارتقاء بالممارسة التعليمية.
وخلال هذه المناسبة، تعاقبت كلمات مؤثرة في حق الأستاذ المحتفى به، حيث أجمع المتدخلون على الإشادة بمساره المهني المتميز، وبأخلاقه المهنية الرفيعة، وبحضوره التربوي الفاعل الذي ترك بصمته في أوساط التلاميذ وزملائه على حد سواء. كما عبروا عن تقديرهم الكبير لجهوده في خدمة المدرسة العمومية، وإسهامه في ترسيخ قيم الالتزام والتفاني في العمل التربوي.
وقد تخلل هذا التكريم تقديم مجموعة من الهدايا الرمزية والتذكارات، التي تعكس مكانته الرفيعة داخل المنظومة التربوية، وتعبر عن مشاعر الامتنان والعرفان لما قدمه من عطاءات طيلة مسيرته المهنية. كما سادت أجواء من الود والاعتراف بالجميل، في لحظة امتزج فيها البعد الإنساني بالبعد التربوي، لتجعل من هذا التكريم لحظة مؤثرة ستظل راسخة في ذاكرة الحضور.


