عقارات سطات تحت المجهر: هل تحول المجلس الجماعي إلى “وكالة عقارية”؟
تستعد لجنة الميزانية والشؤون المالية والبرمجة والممتلكات بجماعة سطات لعقد اجتماعها المرتقب يوم الثلاثاء 21 أبريل 2026، في لحظة تبدو عادية في ظاهرها، لكنها في عمقها تكشف عن واحدة من أعقد إشكاليات التدبير الترابي: كيف يُدار الرصيد العقاري الجماعي؟ ولصالح من؟ وبأي منطق؟
إن إدراج نقطتي المادتين 6 و7 ضمن جدول الأعمال، والمتعلقتين بالمصادقة على دفاتر تحملات تفويت قطع أرضية استراتيجية، ليس مجرد إجراء إداري تقني، بل هو قرار سياسي بامتياز، يعكس تصوراً معيناً لوظيفة الجماعة: هل هي مؤسسة عمومية تسهر على حماية المصلحة العامة، أم مجرد وسيط عقاري يعيد توزيع الملك العمومي وفق منطق السوق؟
تفويتات تُربك “العقيدة العقارية” للجماعة
ظل الرصيد العقاري الجماعي، تاريخياً، أحد أهم أدوات التدخل العمومي في توجيه التنمية الحضرية وضبط التوازنات المجالية. ولم يكن الاحتفاظ بالعقارات ذات المواقع الاستراتيجية ترفاً إدارياً، بل كان اختياراً عقلانياً يضمن للجماعة هامشاً من السيادة على مستقبلها التنموي.
غير أن ما يطفو اليوم على سطح جدول أعمال جماعة سطات يوحي بتحول عميق في هذه “العقيدة العقارية”. نحن أمام تفويت قطعتين أرضيتين:
الأولى بمساحة 802 متر مربع بمحاذاة شارع بئر أنزران،
والثانية بمساحة 103 متر مربع في نفس الموقع،
وهو موقع لا يحتاج إلى كثير من التحليل لإدراك قيمته الاقتصادية والاستراتيجية داخل النسيج الحضري للمدينة.
السؤال الجوهري هنا ليس فقط “ماذا يتم تفويته؟”، بل “لماذا يتم التفويت أصلاً؟”.
هل استنفدت الجماعة كل البدائل الممكنة؟
هل تم التفكير في صيغ تعاقدية حديثة تحافظ على الملكية العمومية وتضمن في الآن ذاته الاستثمار، مثل عقود التدبير المفوض أو الكراء طويل الأمد؟
إن التفويت النهائي للعقار هو قرار لا رجعة فيه، ويعني ببساطة نقل الثروة من المجال العام إلى المجال الخاص، وهو ما يستدعي أقصى درجات الحذر والتبرير.
بين الشرعية القانونية والمشروعية السياسية
قد يستند المجلس الجماعي إلى مقتضيات قانونية تخول له تفويت الأملاك الجماعية، وفق مساطر محددة، من بينها تقييم العقار من طرف لجنة الخبرة الإدارية. غير أن الشرعية القانونية لا تكفي وحدها لتبرير القرار، إذا لم تُستكمل بالمشروعية السياسية والأخلاقية.
فالقانون يمنح الإمكانية، لكنه لا يمنح دائماً الحكمة في الاستعمال.
هنا يبرز جوهر الإشكال:
هل تم احترام مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة كما نص عليه دستور 2011؟
هل تم تفعيل مقتضيات الحق في الحصول على المعلومة كما يؤطره القانون رقم 31.13؟
إن الإشارة إلى “الثمن المقترح من طرف لجنة الخبرة” دون الإعلان الصريح عنه، يضعنا أمام شفافية ناقصة، أو بالأحرى انتقائية. لأن الشفافية لا تتجزأ: إما أن تكون كاملة، أو لا تكون.
حق الساكنة في المعرفة: من الإخبار إلى المشاركة
إن المواطن السطاتي لم يعد ذلك المتلقي السلبي لقرارات تُتخذ باسمه. لقد أصبح، بحكم التحولات الدستورية والسياسية، فاعلاً له الحق في المعرفة والمساءلة.
من حقه أن يسأل:
من هو المستفيد من هذه التفويتات؟
هل تم فتح باب المنافسة بشكل حقيقي وشفاف؟
هل تم تقييم العقار وفق معايير السوق، أم وفق تقديرات إدارية قد لا تعكس قيمته الفعلية؟
بل أكثر من ذلك، من حقه أن يشارك في صياغة الاختيارات الكبرى لمدينته، لأن تدبير المجال لم يعد شأناً تقنياً صرفاً، بل هو فعل ديمقراطي بامتياز.
إن تغييب هذا البعد التشاركي يحول الجماعة من فضاء للتمثيلية إلى جهاز مغلق، ويعيد إنتاج نفس منطق “القرار من فوق”، الذي طالما كان أحد أسباب فقدان الثقة في المؤسسات.
الجدوى الاقتصادية: استثمار أم تفويت للفرص؟
يُبرر التفويت، في كثير من الأحيان، بضرورة تشجيع الاستثمار وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي. غير أن هذا التبرير يظل هشاً إذا لم يكن مبنياً على دراسة جدوى حقيقية.
هل تحتاج سطات فعلاً إلى مركز تجاري جديد؟
أم أن المدينة تعاني من اختلالات أعمق تتعلق بالبنية التحتية، الخدمات العمومية، أو الفضاءات الثقافية؟
ثم، هل التفويت هو الخيار الأمثل لتحقيق التنمية؟
في التجارب المقارنة، تلجأ العديد من الجماعات الترابية إلى صيغ أكثر ذكاءً، مثل:
الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)،
عقود الامتياز،
الكراء طويل الأمد،
وهي صيغ تتيح تحقيق الاستثمار دون التفريط في الملكية.
أما التفويت المباشر، فيبقى الخيار الأسهل إدارياً، لكنه الأكثر كلفة استراتيجياً على المدى الطويل.
المجلس بين منطق التدبير ومنطق التصريف
ما يثير القلق في مثل هذه القرارات، هو توقيتها وسياقها. فحين تأتي التفويتات في “آخر أيام التدبير”، فإنها تطرح شبهة الانتقال من منطق التدبير إلى منطق التصريف.
أي تصريف ما تبقى من الأصول، بدل الاستثمار فيها لصالح المستقبل.
وهنا يصبح السؤال أكثر حدة:
هل نحن أمام قرارات مدروسة تدخل في إطار رؤية تنموية متكاملة؟
أم أمام إجراءات ظرفية قد تُثقل كاهل المجالس المقبلة وتُقيد خياراتها؟
ختاما : سطات بين خيارين
تقف مدينة سطات اليوم عند مفترق طرق:
إما أن تُدبر رصيدها العقاري كرافعة استراتيجية للتنمية المستدامة،
أو أن تستمر في منطق التفويت الذي قد يحقق مداخيل آنية، لكنه يُفرغ الجماعة من أدواتها المستقبلية.
إن الرهان الحقيقي ليس في بيع الأرض، بل في كيفية استثمارها.
وليس في احترام المساطر فقط، بل في احترام ذكاء المواطنين وثقتهم.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تفويت عقاري، بل اختبار حقيقي لمدى التزام الجماعة بمبادئ الحكامة الجيدة: الشفافية، المشاركة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وعليه، فإن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق المنتخبين، بل أيضاً على المجتمع المدني، والنخب المحلية، وكل الغيورين على هذه المدينة، من أجل فرض نقاش عمومي جاد حول مستقبل سطات.
لأن المدن لا تُبنى بالخرسانة فقط… بل تُبنى أيضاً بالثقة.


