هل نحتاج إلى ملكية مطلقة؟ أم إلى أحزاب تستعيد وظيفتها؟

هل نحتاج إلى ملكية مطلقة؟ أم إلى أحزاب تستعيد وظيفتها؟
بقلم الدكتور عبدالإله طلوع، كاتب رأي 

لم تعد الأزمة السياسية في المغرب تُقاس فقط بمدى تعثر البرامج الحكومية أو ضعف مؤشرات التنمية، بل أصبحت تُقرأ، بشكل أكثر عمقًا، من خلال التحول الصامت الذي أصاب وظيفة الأحزاب السياسية ذاتها. فهذه الأخيرة، التي كان يُفترض أن تشكل العمود الفقري للنقاش العمومي وصناعة السياسات، تبدو اليوم وقد تخلّت، تدريجيًا، عن أدوارها التأطيرية والترافعية، وانكفأت على تدبير التوازنات الانتخابية الضيقة، أو التموقع داخل هندسة السلطة دون إنتاج فعلي للأفكار.

إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح ليس فقط: لماذا ضعفت الأحزاب؟ بل: ما الذي يملأ هذا الفراغ؟ وهنا تبرز مفارقة عميقة؛ فكلما تراجعت الأحزاب عن أداء وظائفها الدستورية، كلما تعززت مركزية المؤسسة الملكية باعتبارها الفاعل الأكثر قدرة على ضمان الاستمرارية واتخاذ القرار. غير أن هذا التعزيز، وإن كان يكتسي مشروعية تاريخية ودستورية، يطرح في المقابل سؤال التوازن: هل نحن أمام انتقال ضمني نحو ملكية أكثر تركيزًا للسلطة؟ أم أننا بصدد لحظة عابرة ناتجة عن هشاشة الفاعلين الوسيطين؟

إن فكرة “الملكية المطلقة” قد تبدو، للبعض، حلاً سهلاً في سياق الإحباط من أداء الأحزاب. فهي تعد بالحسم، بالنجاعة، وبالقدرة على تجاوز تعقيدات الوساطة السياسية. غير أن هذا الطرح، في عمقه، ينطوي على اختزال خطير لفلسفة النظام السياسي المغربي، الذي تأسس – خاصة بعد دستور 2011 – على مبدأ التوازن والتكامل بين الملكية التنفيذية والتمثيلية الديمقراطية. فالمشكلة ليست في وجود المؤسسة الملكية القوية، بل في غياب أحزاب قوية قادرة على التفاعل معها بندية مسؤولة.

إن الدعوة إلى ملكية مطلقة، حتى وإن جاءت كرد فعل على فشل الأحزاب، تُعد نوعًا من الهروب إلى الأمام. فهي لا تعالج أصل الداء، بل تُكرّس أعراضه. لأن غياب الوسائط السياسية لا يعني إلغاءها، بل إصلاحها. وإلا فإننا نكون بصدد إنتاج نظام سياسي أحادي، يفقد فيه المجتمع أدوات التعبير والتفاوض، وتتحول فيه السياسة إلى مجرد تنفيذ، بدل أن تكون فضاءً للنقاش والتعدد.

لقد تخلّت الأحزاب، في كثير من الأحيان، عن وظيفتها النقدية، وعن قدرتها على إنتاج البدائل. لم تعد تُؤطر المواطن، بل صارت تبحث عنه فقط زمن الانتخابات. لم تعد تناقش السياسات العمومية بعمق، بل تكتفي بتبريرها أو معارضتها بشكل سطحي. والأخطر من ذلك، أنها فقدت استقلالية القرار، وأصبحت في كثير من الأحيان أسيرة لتوازنات داخلية أو حسابات ظرفية، مما جعلها غير قادرة على لعب دور الشريك الحقيقي في تدبير الشأن العام.

في هذا السياق، تبدو العلاقة مع المؤسسة الملكية غير متوازنة؛ ليس بسبب هيمنة هذه الأخيرة، بل بسبب ضعف الطرف الآخر. فالملكية، بحكم موقعها الدستوري والتاريخي، تضطلع بأدوار استراتيجية كبرى، لكن كان يُفترض أن تجد أمامها أحزابًا قادرة على التفاعل، على الاقتراح، وعلى تحمل المسؤولية السياسية. غير أن الواقع يكشف عن فراغ، يتم ملؤه بشكل طبيعي من طرف المؤسسة الأكثر استقرارًا.

إن الإشكال، إذن، ليس في “قوة الملكية”، بل في “ضعف السياسة”. وليس الحل في تقوية طرف على حساب آخر، بل في إعادة بناء التوازن. وهذا يمر، أساسًا، عبر إصلاح عميق للحياة الحزبية: ديمقراطية داخلية حقيقية، تجديد للنخب، استقلالية في القرار، وعودة إلى الوظيفة الأصلية للحزب كفاعل في إنتاج الأفكار لا مجرد وسيط انتخابي.

كما أن المجتمع بدوره مطالب بإعادة النظر في علاقته بالسياسة. فالعزوف، واللامبالاة، وفقدان الثقة، كلها عوامل تُضعف الطلب على السياسة، وتُشجع على استمرار الوضع القائم. لا يمكن لأحزاب قوية أن تنشأ في مجتمع لا يُطالب بها، ولا يُحاسبها، ولا يثق في جدوى الفعل السياسي.

إن المغرب لا يحتاج إلى ملكية مطلقة، بقدر ما يحتاج إلى ديمقراطية فعّالة. ولا يحتاج إلى إضعاف المؤسسة الملكية، بل إلى تقوية باقي المؤسسات لتكون في مستوى الشراكة. فالتاريخ السياسي يُعلمنا أن الأنظمة الأكثر استقرارًا ليست تلك التي تتركز فيها السلطة، بل تلك التي تتوزع فيها المسؤوليات بشكل متوازن، وتُمارس فيها السلطة في إطار من الرقابة والتكامل.

في النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس: هل نريد ملكية مطلقة؟ بل: هل نملك الشجاعة لإصلاح أحزابنا، وتجديد نخبنا، واستعادة المعنى الحقيقي للسياسة؟ لأن البديل عن السياسة ليس الاستقرار، بل الفراغ… والفراغ لا يبني الأوطان.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *