الحرب في إيران وتركيا بين هواجس الأمن وفرص النفوذ

الحرب في إيران وتركيا بين هواجس الأمن وفرص النفوذ
متابعة مجلة 24

تنظر أنقرة إلى اندلاع الحرب في إيران بوصفه واحدًا من أسوأ السيناريوهات الاستراتيجية بالنسبة إليها، ولذلك تبدي انزعاجًا شديدًا وتسعى إلى وقف القتال بأسرع وقت ممكن. فهذه الحرب تفرض على تركيا تحديات مباشرة، تبدأ من وصول الصواريخ إلى أراضيها، وتمر باحتمال تدفق موجة نزوح واسعة، ولا تنتهي عند خطر عودة التوتر الكردي من الساحة الإيرانية. أما إقليميًا، فتشعر تركيا، التي تتهم إسرائيل بدفع الولايات المتحدة إلى دخول الحرب، بقلق متزايد من اتساع النفوذ الإسرائيلي الأمريكي في المنطقة، وهو ما دفعها إلى اتخاذ خطوات عسكرية غير مألوفة، من بينها نشر مقاتلات في قبرص. وعلى الصعيد الاقتصادي، يُتوقع أن يفاقم الصراع الضغوط التضخمية في بلد يستورد نحو ثلثي احتياجاته من الطاقة، بما في ذلك جزء من إيران. وفي موازاة ذلك، تتسارع وتيرة تعزيز القدرات العسكرية التركية، ويتوسع النقاش حول الحاجة إلى امتلاك سلاح نووي بوصفه أداة ردع. ومع ذلك، فإن إضعاف إيران قد يفتح أمام أنقرة فرصًا جديدة لتوسيع نفوذها الإقليمي.

ويبدو حجم الاستياء التركي من اندلاع الحرب في واضحًا على خلفية المساعي الدبلوماسية التي بذلتها أنقرة خلال السنوات الماضية لتجنب هذا المسار. فقد ظلت ترى أن حل الملف النووي الإيراني يجب أن يكون سياسيًا ودبلوماسيًا، وعارضت اللجوء إلى الخيار العسكري لردع طهران عن مواصلة برنامجها النووي. وفي الواقع، فإن مجريات الحرب الحالية تعكس بالفعل عددًا من السيناريوهات السلبية التي حذرت منها تركيا سابقًا. وفي خطاب ألقاه الرئيس رجب طيب أردوغان في، شدد على أن الأولوية القصوى تكمن في إبقاء تركيا بعيدة عن هذا اللهيب. كما أن الخطاب التركي المصاحب للحرب يحمّل إسرائيل مسؤولية جرّ الولايات المتحدة إلى مهاجمة إيران، ويصوّرها بوصفها العامل الحاسم في دفع الإدارة الأمريكية إلى هذا القرار.

ومن أبرز التداعيات المباشرة للحرب على تركيا تعرض أراضيها لإطلاق صواريخ جرى اعتراضها بواسطة أنظمة حلف شمال الأطلسي. وعلى الرغم من عدم وقوع أضرار مباشرة، فإن مجرد تحول تركيا إلى هدف للهجمات الإيرانية يمثل تطورًا بالغ السلبية بالنسبة لأنقرة. وقد حاول بعض الأطراف في البداية التقليل من خطورة الأمر عبر القول إن اتجاه الصاروخ الأول لم يكن واضحًا، أو إن هذه العمليات قد تكون نتيجة ضعف القيادة المركزية الإيرانية ومبادرات محلية معزولة، إلا أن تكرار الحادثة مع إطلاق صاروخ ثانٍ أضعف هذه التفسيرات، وجعل من الصعب اعتبار ما جرى مجرد حادث فردي.

ويظل احتمال تدفق موجة كبيرة من اللاجئين من أهم الهواجس التركية المرتبطة بزعزعة استقرار إيران. فكما ترتبت على حربي العراق وسوريا انعكاسات ثقيلة على تركيا في ملف النزوح، تخشى أنقرة اليوم من تكرار المشهد نفسه على حدودها الشرقية إذا ما أدى الصراع إلى اضطراب داخلي واسع داخل إيران.

ولا يقل عن ذلك أهمية القلق من تصاعد القضية الكردية. فبعد إعلان الحركة الكردية السرية، التي تنشط عسكريًا منذ ثمانينيات القرن الماضي، حلّ نفسها في أيار 2025، وبعد التحولات التي شهدها شمال شرق سوريا في كانون الثاني 2026، بات احتمال تنامي النفوذ الكردي داخل إيران سيناريو مقلقًا بالنسبة لتركيا. وينشط في الساحة الكردية الإيرانية الفرع الإيراني لهذه الحركة إلى جانب فصائل أخرى، وقد زادت التقارير التي تحدثت عن تسليح عناصر كردية إيرانية للعمل عسكريًا في غرب إيران، رغم نفيها لاحقًا، من مستوى القلق التركي، ودفع أنقرة إلى الضغط على واشنطن لتجنب أي تحرك في هذا الاتجاه.

أما اقتصاديًا، فإن تركيا تبدو معرضة لتداعيات الحرب بشكل واضح. فهي تستورد نحو ثلثي احتياجاتها من الطاقة، ما يجعل أي اضطراب في سوق الطاقة العالمية، أو أي ارتفاع في الأسعار، عاملًا إضافيًا يعقّد مساعيها لخفض التضخم، الذي بلغ 32 في المئة على أساس سنوي في شباط 2026. وإلى جانب ذلك، تبقى إيران ثاني أهم مورد للغاز الطبيعي إلى تركيا، إذ تشكل نحو 13 في المئة من وارداتها من الغاز.

ويتعاظم القلق التركي مع احتمالية انهيار الاستقرار الداخلي في إيران أو حتى سقوط النظام فيها، انطلاقًا من الاعتقاد بإمكانية إعادة تشكيل نظام جديد تدعمه واشنطن وتل أبيب، الأمر الذي قد يؤدي إلى توسيع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. وتزيد التصريحات الإسرائيلية حول إسرائيل الكاملة وإسرائيل التوراتية، فضلًا عن الحديث الإسرائيلي عن تركيا بوصفها التهديد الكبير المقبل، من ترسيخ الانطباع التركي بأن تعاظم النفوذ الإسرائيلي داخل إيران يحمل في طياته تهديدًا مباشرًا لأنقرة.

كما تمتد آثار الحرب إلى ساحات ترتبط فيها تركيا بمصالح استراتيجية كبيرة. ففي قبرص مثلًا، أدى إطلاق طائرات مسيرة باتجاه القاعدة البريطانية في أكروتيري، والذي نُسب إلى حزب الله، إلى استنفار غربي واسع، تُرجم بإرسال قوات جوية وبحرية من عدة دول أوروبية إلى المنطقة، مع توقع وصول مزيد من القطع العسكرية البريطانية والهولندية. وفي ضوء امتعاض أنقرة من هذا الحشد العسكري الغربي في الجزيرة، قررت نشر ست مقاتلات إف-16 في شمال قبرص. ورغم أن تركيا تملك أصلًا قوات برية كبيرة هناك، إلى جانب قاعدة للطائرات المسيّرة، فإن نشر الطائرات المقاتلة يُعد خطوة غير مألوفة لم تقدم عليها منذ عقود.

وفي سياق آخر، مثّل إطلاق طائرات مسيرة باتجاه نخجوان، الجيب الأذري المحاذي لتركيا وإيران وأرمينيا، تصعيدًا مقلقًا إضافيًا بالنسبة لأنقرة. وعلى خلاف محاولات التخفيف من شأن الصواريخ التي سقطت باتجاه تركيا، جاء الموقف الأذربيجاني شديد الوضوح في إدانة هذا الهجوم، تبعه إجلاء للدبلوماسيين من إيران. كما زاد توقيف عناصر من الحرس الثوري كانوا يخططون لاستهداف مصالح إسرائيلية ويهودية في أذربيجان، إضافة إلى خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان، من مستوى التوتر بين البلدين. وإذا كانت أذربيجان لم تتحول بعد إلى ساحة لاستدراج تدخل دولي واسع كما في قبرص، فإن دخولها الفعلي في الحرب سيعقد الحسابات التركية بدرجة كبيرة، نظرًا إلى أن أنقرة ترى نفسها ضامنًا أساسيًا لأمنها. وفي هذا السياق، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا نظريات مؤامرة تزعم أن الهجوم على أذربيجان جرى تدبيره عبر قوات إسرائيلية تعمل داخل إيران. كما أن وجود أقلية أذرية كبيرة داخل إيران يجعل من أي تحرك أذربيجاني عاملًا ذا ارتدادات داخلية حساسة.

كذلك، تثير الهجمات الإيرانية على قطر قلقًا تركيًا واضحًا. فمهما تكن الترتيبات التي ستعتمدها الدوحة بعد الحرب، يبدو أن مراجعة منظومة الدفاع هناك باتت أمرًا لا مفر منه. وعلى عكس ما حدث خلال حصار قطر عام 2017، حين لعب الدعم التركي دورًا حاسمًا في تخفيف الضغط عنها ومنع سيناريوهات أكثر خطورة، يبدو أن أثر هذا الدعم في الظروف الحالية أكثر محدودية من حيث الردع.

وقد أظهرت التجربة التي أعقبت حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران أن الرد التركي على مثل هذه التطورات يتخذ بعدًا داخليًا يرتكز على تعظيم القدرات الذاتية. فقد جرى تشخيص جوانب النقص في القوات الجوية، والدفاع الجوي، والفضاء السيبراني، والقدرات الصاروخية، وبدأ العمل على معالجتها. ورغم أن منظومة حلف الناتو للاعتراض الصاروخي أظهرت فعالية عالية في التصدي للصواريخ التي استهدفت تركيا، فإن الحاجة إلى بناء قدرات محلية مستقلة تبدو اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. وحتى قبل اندلاع الحرب ، كان الجدل قائمًا في تركيا حول ضرورة امتلاك سلاح نووي. أما الآن، فإن تدمير إيران على يد إسرائيل والولايات المتحدة، خصوصًا في ظل عدم تمكن طهران من بلوغ العتبة النووية العسكرية، بات يستخدم حجة إضافية لدى التيار الداعي إلى دفع تركيا نحو برنامج نووي عسكري.

ومع ذلك، ورغم أن تركيا لم تكن تريد هذه الحرب، فإن ذلك لا يعني تلقائيًا أنها ستكون في موقع الخاسر. فأنقرة تمتلك أدوات لاحتواء بعض التداعيات المحتملة، سواء في ملف اللاجئين أو في ما يتعلق بالمسألة الكردية. ويكفي التذكير بأن موجة اللجوء الكبرى من سوريا دخلت تركيا أساسًا لأن أنقرة فتحت حدودها، معتقدة أن سقوط نظام الأسد بات قريبًا. وبالمثل، فإن تأثير الأكراد الإيرانيين على مجمل القضية الكردية لا ينبغي تضخيمه. وكما أدى إضعاف إسرائيل لحزب الله إلى نتائج خدمت المصالح التركية في سوريا، فقد تتيح الحرب الحالية، بما تفرضه من إنهاك لإيران على المدى القريب، فرصًا لأنقرة لتعزيز نفوذها في ساحات أخرى، خصوصًا في العراق، حيث يتواصل التنافس التركي الإيراني على النفوذ. وعلى خلاف التصورات التركية المتشائمة، قد يبقى التأثير الإسرائيلي في إيران ما بعد الحرب محدودًا، بما يسمح لأنقرة بالاستفادة من شبكة علاقاتها هناك بشكل أفضل.

في المحصلة، تُعمّق الحرب الحالية إدراك تركيا للخطر الإسرائيلي، كما تعزز في المقابل النظرة الإسرائيلية إلى تركيا بوصفها تهديدًا صاعدًا. ويكشف الخطاب التركي، الذي يتهم إسرائيل بالتحريض على الحرب وبتوريط الولايات المتحدة فيها، إلى جانب انتشار سرديات تتحدث عن عمليات تضليل إسرائيلية لدفع تركيا وأذربيجان إلى المواجهة، عن حجم التوتر المتبادل بين الجانبين. وإذا كانت إسرائيل تسعى من خلال هذه الحملة إلى تحسين موقعها الاستراتيجي، فإن من الضروري ألا تتحول إنجازاتها العسكرية إلى صورة ترسخها في الوعي الإقليمي كقوة عدوانية منفلتة. ولهذا، فإن نجاحها العسكري يحتاج إلى أن يرافقه تصور سياسي أوسع يشتمل على أبعاد إيجابية للمنطقة ككل. أما على المستوى الثنائي، فإن على تركيا وإسرائيل مواصلة تطوير آليات التنسيق التكتيكي بينهما لخفض التوتر ومنع الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة. وفي الوقت نفسه، يتعين على واشنطن، التي تنظر إلى كل من تركيا وإسرائيل بوصفهما شريكين مهمين، أن تدرك أن ما يجري في إيران لا يؤثر في توازنات المنطقة فحسب، بل ينعكس أيضًا بصورة مباشرة على مستقبل العلاقات التركية الإسرائيلية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *