القراءة في رمضان… رحلة روحية وإبداعية في عوالم القرآن والكتاب القراءة في رمضان… رحلة روحية وإبداعية في عوالم القرآن والكتاب
قد يبدو فعل القراءة في شهر رمضان، بما يحمله من بعد روحي وتأملي، أمرا بديهيا لدى الكثيرين، باعتباره فرصة للتقرب من العوالم الروحية. غير أن آخرين يرون فيه اختيارا انتقائيا يرتبط بمجال الإبداع والاشتغال الفكري، أو امتدادا لمسار قرائي بدأ قبل حلول الشهر الفضيل.
وفي حديث مع عدد من المثقفين والكتاب بجهة الشمال، يتضح أن مرافقة القرآن الكريم خلال رمضان لا تقتصر لديهم على البعد التعبدي فقط، بل تتجاوز ذلك إلى التعمق في معانيه واستلهام قيمه، في تجربة تجمع بين متعة التأمل الروحي والارتقاء بالنفس.
وفي هذا السياق، يؤكد الإعلامي والشاعر سعيد كوبريت أن القرآن الكريم يشكل أولى القراءات في رمضان استجابة لما يسميه نداء الروح، معتبرا أن تلاوته ليست مجرد سعي لختم المصحف، بل مدخلا لتدبر معانيه واستنباط دلالاته. ويرى أن قراءة الحزب الراتب في المساجد المغربية تمثل ملاذا روحيا وظلالا آمنة ينعم بها الصائمون خلال هذا الشهر.
وبالتوازي مع هذه القراءة الروحية، يواصل كوبريت اهتمامه بالقراءات الأدبية المرتبطة بمجاله الإعلامي، خاصة مع إشرافه خلال رمضان على برنامج إذاعي بعنوان مدن تسكننا، ما قاده إلى استكشاف عوالم روائيين جعلوا من المدن وذاكرتها موضوعا لأعمالهم الأدبية.
ومن بين الأعمال التي انشغل بها في هذا السياق رواية باريس عيد وليمة متنقلة لإرنست همنغواي، التي تستحضر أجواء باريس الثقافية في عشرينيات القرن الماضي، إلى جانب كتاب متشردا في باريس ولندن لجورج أورويل، وثلاثية نيويورك لبول أوستر، حيث تتجلى فيها أسئلة الإنسان والمدينة. كما عاد إلى الفضاء العربي من خلال رواية لا أحد ينام في الإسكندرية لإبراهيم عبد المجيد، وكتاب إسطنبول الذكريات والمدينة لأورهان باموق.
ومن طنجة إلى شفشاون، يرى الشاعر عبد الحق بنرحمون أن القراءة تتيح للإنسان أن يكون شاهدا على عوالم وأحداث متخيلة، وأن معانقة الكتاب في لحظة عزلة وخلوة تمثل حوارا عميقا مع الوجدان والروح.
ويؤكد بنرحمون، صاحب عدة دواوين شعرية، أن القراءة بالنسبة إليه سفر في المعاني والأفكار، تماما كما هو فعل الكتابة الإبداعية. كما يعترف بارتباطه الخاص ببعض الأسماء الأدبية مثل جبرا إبراهيم جبرا والكاتب الروسي نيكولاي غوغول.
وفي رمضان، يوجه الشاعر بوصلة قراءاته، إلى جانب القرآن الكريم، نحو أعلام الشعر العربي مثل المتنبي وأبي العلاء المعري وبدر شاكر السياب وأدونيس، إضافة إلى أعمال عالمية من بينها مذكرات بابلو نيرودا أعترف بأنني قد عشت، وبعض المؤلفات التراثية المغربية.
ومن شفشاون إلى تطوان، تشير الشاعرة والقاصة مريم كرودي إلى أن علاقتها بالقراءة في رمضان تتخذ طابعا أكثر هدوءا وتأملا، حيث يحتل القرآن الكريم مكانة مركزية في قراءاتها.
وتوضح أن اهتمامها خلال هذا الشهر يتجه نحو النصوص التي تحمل صفاء روحيا وعمقا إنسانيا، معتبرة أن القراءة ليست مجرد فعل معرفي، بل تجربة داخلية تعيد ترتيب العلاقة مع الذات والعالم.
كما ترى أن رمضان يمنح فرصة لاستعادة الإيقاع البطيء للقراءة، وهو الإيقاع الذي يسمح للنص بأن ينصت للقارئ كما ينصت القارئ إليه. ورغم المكانة الخاصة التي يحتلها الشعر في قراءاتها، فإنها تميل أيضا إلى كتب الفكر والفلسفة والسير الذاتية والتاريخ.
ومن بين النصوص التي تعود إليها كتابات صوفية لجلال الدين الرومي، ومختارات شعرية لمحمود درويش، إضافة إلى روايات تاريخية مثل موت صغير لمحمد حسن علوان وثلاثية غرناطة لرضوى عاشور.
وفي ختام هذه الشهادات، يجمع المبدعون على أن التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يعوضا متعة القراءة الورقية ولا تجربة الكتابة الإبداعية، لأنهما يقومان أساسا على علاقة إنسانية حميمة بين القارئ والكتاب، وبين المبدع والقلم والورق.
وبذلك، لا يمكن الحديث عن أزمة قراءة بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما يتعلق الأمر بتحول في أنماط القراءة التي أصبحت في كثير من الأحيان سريعة ومجزأة، ومتوزعة بين الشاشات والكتب.

