الحكم الذاتي بين رهانات الواقعية ومخاطر الازدواجية

الحكم الذاتي بين رهانات الواقعية ومخاطر الازدواجية
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

في خضم التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، يظل مقترح الحكم الذاتي أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في الفضاء المغاربي. فهو ليس مجرد صيغة إدارية أو تقنية لتدبير الشأن الترابي، بل مشروع سياسي استراتيجي يختبر قدرة الدول على التوفيق بين وحدة الدولة، واحترام الخصوصيات المحلية، وتحصين السيادة الوطنية من أي اختراق خارجي.

إن الحديث عن الحكم الذاتي يفتح بابًا واسعًا للفرص، لكنه في الوقت ذاته لا يخلو من مخاطر. فمن جهة، يوفر هذا النموذج إمكانات مهمة لتوسيع دائرة المشاركة السياسية، وتعزيز التنمية المحلية، وتمكين الساكنة من تدبير شؤونها في إطار السيادة الوطنية.
وقد أثبتت تجارب دولية، مثل تجربة إسبانيا في نظام الأقاليم ذاتية الحكم، أن اللامركزية المتقدمة يمكن أن تشكل رافعة للاستقرار إذا أُحسن تنزيلها ضمن إطار دستوري واضح ومتين.
لكن في المقابل، تبرز إشكالية ازدواجية الشرعية كأحد أخطر التحديات المحتملة. فنجاح الحكم الذاتي مشروط بوضوح المرجعيات الدستورية وتحديد مصدر الشرعية السياسية بشكل لا يقبل التأويل. عندما تتنازع الشرعية بين المركز والجهة، أو عندما تتداخل المرجعيات القانونية والسياسية، يصبح النظام عرضة للتوترات المؤسسية وربما للانزلاق نحو صراعات مفتوحة. لذلك، فإن الاحتياط من ازدواجية الشرعية ليس مجرد تخوف نظري، بل ضرورة دستورية لضمان استقرار الدولة ووحدتها.

وفي السياق ذاته، يظل رفض أي آلية دولية أو رقابة خارجية للتدخل في تدبير الحكم الذاتي مسألة سيادية بامتياز. فالحكم الذاتي، إذا أُقر، ينبغي أن يُفهم باعتباره شأنًا وطنيًا داخليًا، يؤطره الدستور والقوانين الوطنية، وليس مجالًا لوصاية أو إشراف خارجي. إن التجارب التي خضعت لرقابات دولية مطولة أظهرت أن طول أمد التدخل الخارجي قد يحول الحلول السياسية إلى ملفات دائمة التعقيد بدل أن تكون جسورًا للاستقرار.

غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن لمشروع الحكم الذاتي أن ينجح في ظل استمرار القطيعة بين المغرب والجزائر؟ هنا نلامس جوهر الإشكال المغاربي. فمنذ عقود، ظلت العلاقات بين المغرب والجزائر رهينة توترات سياسية أثرت سلبًا على فرص التكامل الإقليمي وأضعفت أداء اتحاد المغرب العربي.
إن أي مشروع سياسي كبير في المنطقة، وعلى رأسه الحكم الذاتي، لن يكتب له النجاح الكامل دون بيئة إقليمية داعمة أو على الأقل غير معرقلة. فالتطبيع بين الرباط والجزائر ليس ترفًا دبلوماسيًا، بل شرطًا موضوعيًا لخلق مناخ من الثقة المتبادلة، وتخفيف منسوب التوتر، وإعادة توجيه الطاقات نحو التنمية بدل الاستنزاف السياسي والإعلامي.

لقد آن الأوان لإعادة النظر في كلفة القطيعة مقارنة بعوائد المصالحة. فالشعوب المغاربية، وخاصة فئة الشباب، تدفع ثمن انسداد الأفق الإقليمي من فرص العمل والاستثمار والتبادل الثقافي. إن بناء فضاء مغاربي متكامل كفيل بتحويل المنطقة إلى قطب اقتصادي واستراتيجي وازن في محيطها الإفريقي والمتوسطي.
الحكم الذاتي، إذن، ليس مجرد صيغة قانونية، بل اختبار لإرادة سياسية شجاعة. شجاعة في ترسيخ الشرعية الدستورية الواحدة، وحزم في صون السيادة من أي وصاية خارجية، ورؤية استراتيجية تدرك أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على القطيعة الدائمة.

إن الواقعية السياسية تقتضي اليوم الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق صناعة الحل. وتطبيع العلاقات بين المغرب والجزائر قد يكون المدخل الضروري لإخراج ملف الحكم الذاتي من دائرة التجاذب إلى أفق الاستقرار والتنمية المشتركة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *