بين الاحتفاء الرمزي والتمكين الحقيقي: أسئلة اليوم العالمي للمرأة

بين الاحتفاء الرمزي والتمكين الحقيقي: أسئلة اليوم العالمي للمرأة
بقلم: د. عبد الإله طلوع باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

في كل عام، ومع حلول اليوم العالمي للمرأة، تمتلئ الفضاءات الإعلامية والسياسية بخطابات الاحتفاء والتقدير، كلمات كثيرة تُقال، شعارات براقة تُرفع، ووعود متكررة حول التمكين الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للمرأة.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل تعكس هذه الاحتفالات تحوّلاً حقيقياً في أوضاع النساء، أم أنها مجرد طقس رمزي يتكرر كل سنة دون أن يغير في عمق الواقع شيئاً؟

ليس من السهل أن يتجاهل المرء حجم المبالغة أحياناً في هذا الاحتفاء، خصوصاً عندما يتحول الخطاب حول حقوق المرأة إلى قاموس جاهز من العبارات الفضفاضة. كلمات من قبيل “التمكين”، “المناصفة”، “العدالة الجندرية”، تُستعمل بكثرة، لكنها كثيراً ما تُفرغ من مضمونها العملي. والأسوأ من ذلك أن بعض الفاعلين يوظفون هذه الشعارات كوسيلة للتموقع الرمزي أو السياسي، أكثر مما ينظرون إليها باعتبارها مشروعاً مجتمعياً عميقاً لإعادة توزيع السلطة والفرص داخل المجتمع.
هنا يبرز سؤال فلسفي بسيط لكنه حاسم:

هل يمكن للاحتفاء الرمزي أن يعوض غياب التغيير البنيوي؟

وهل تكفي الكلمات الجميلة لتغيير واقع النساء في مجتمع ما تزال فيه اختلالات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة؟

الحقيقة أن التمكين الحقيقي لا يُقاس بعدد الندوات أو البلاغات أو الحملات الرقمية، بل بقدرة المجتمع على تفكيك البنيات التي تنتج التمييز أصلاً.
فالتمكين ليس مجرد شعار، بل هو مسار طويل يتطلب إصلاحات قانونية، وتحولات ثقافية، وسياسات عمومية عادل، إنه مسار يعيد التفكير في علاقة السلطة داخل الأسرة، وفي توزيع الفرص داخل المدرسة، وفي شروط الولوج إلى العمل والقرار.
لكن، في مقابل هذا التحفظ المشروع على الاحتفاء المبالغ فيه، لا يمكن إنكار أن تاريخ النساء هو أيضاً تاريخ مقاومة يومية صامتة. مقاومة ضد الصور النمطية، وضد التهميش، وضد القيود التي حاولت طويلاً أن تحدد لهن أدواراً جاهزة.
لذلك، في هذا اليوم الرمزي، لا بد أن نتذكر تلك النساء اللواتي قاومن التيار في محيطات صعبة. أولئك اللواتي بدأن من جديد عندما بدا لهن أن الطريق قد انغلق تماماً. نساء استطعن أن يقلن “لا” في لحظة كان الصمت فيها أسهل. نساء لملمن شظايا قلوبهن بعد الانكسار، وخلعن عنهن عباءة الضحية، واخترن مواصلة الطريق.
إن قوة المرأة ليست مجرد خطاب، بل تجربة حياة. تجربة تتجلى في القدرة على إعادة بناء الذات بعد كل تعثر، وفي نشر الطمأنينة والحب والسلام داخل محيط غالباً ما يكون قاسياً ومضطرباً. فكم من امرأة كانت سنداً لأسرة بأكملها، وكم من امرأة استطاعت أن تحافظ على توازن مجتمع صغير اسمه العائلة، رغم قلة الاعتراف بما تقوم به.

لكن السؤال الأعمق يظل مطروحاً:
هل نريد فعلاً مجتمعات أكثر عدلاً للنساء، أم أننا نكتفي بالاحتفاء الخطابي؟

هل نملك الشجاعة لإعادة النظر في القيم الاجتماعية التي ما تزال تعيد إنتاج اللامساواة؟

وهل يمكن لمشروع التمكين أن ينجح دون إصلاح شامل لمنظومة التعليم والثقافة والعمل؟

إن أفق التغيير الحقيقي لا يمر فقط عبر سنّ القوانين، بل أيضاً عبر بناء وعي اجتماعي جديد. وعي يعترف بأن كرامة المرأة ليست قضية نسوية ضيقة، بل رهان إنساني ومجتمعي شامل. مجتمع يُقصي نصف طاقاته لا يمكن أن يبني مستقبلاً متوازناً، ولا أن يحقق تنمية عادلة.
من هنا، ربما ينبغي أن يتحول اليوم العالمي للمرأة من مناسبة للاحتفاء الخطابي إلى لحظة للمساءلة الجماعية:
ماذا تحقق فعلاً؟
وما الذي لم يتحقق بعد؟
وأي مجتمع نريد أن نبنيه للأجيال القادمة؟
إلى أن يتحقق ذلك، يبقى من حقنا أن نقول:
كل عام وأنتِ مضيئة وقادرة.
لكل امرأة قاومت العواصف بصمت، ولكل امرأة اختارت أن تكون كما أرادت أن تكون، ولكل امرأة ما تزال تناضل، كل يوم، من أجل العيش الكريم والكرامة الإنسانية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *