المغرب بين طموح الإقلاع وإكراهات الواقع: تشريح في أسئلة الراهن السياسي والاجتماعي
يعيش المغرب اليوم لحظة تاريخية دقيقة تتقاطع فيها طموحات الإقلاع التنموي مع إكراهات الواقع الاجتماعي والسياسي. فبين خطاب رسمي يؤكد انخراط البلاد في مسار إصلاحي متواصل، ومشاريع كبرى تروم تعزيز البنيات التحتية وتحديث الاقتصاد، يظل السؤال المركزي مطروحًا بإلحاح: إلى أي حد استطاع المغرب تحويل هذه الطموحات إلى تحولات ملموسة في حياة المواطنين؟
لقد دخل المغرب منذ سنوات مرحلة جديدة من التفكير الاستراتيجي في التنمية، تُوجت بإطلاق النموذج التنموي الجديد، الذي جاء ليطرح رؤية شاملة لمغرب 2035، قائمة على العدالة المجالية، وتعزيز الرأسمال البشري، وتثمين قدرات الاقتصاد الوطني. غير أن تنزيل هذه الرؤية على أرض الواقع يظل محفوفًا بعدد من التحديات البنيوية التي لا يمكن القفز عليها بشعارات التفاؤل أو لغة الأرقام المجردة.
فالمفارقة الكبرى التي تطبع التجربة المغربية اليوم تكمن في وجود دينامية إصلاحية واضحة على مستوى السياسات العمومية، يقابلها شعور متنامٍ لدى جزء من المجتمع بأن وتيرة التغيير لا تزال دون سقف التطلعات. هذا التوتر بين طموح الدولة وانتظارات المجتمع يعكس في جوهره طبيعة المرحلة الانتقالية التي يمر بها المغرب، حيث تتداخل رهانات الإصلاح الاقتصادي مع أسئلة العدالة الاجتماعية والتمثيل السياسي والثقة في المؤسسات.
على المستوى الاقتصادي، لا يمكن إنكار أن المغرب حقق خلال العقود الأخيرة إنجازات مهمة في مجالات البنية التحتية والاستثمار العمومي، سواء في الطرق السيارة أو الموانئ الكبرى أو مشاريع الطاقات المتجددة. غير أن هذه الإنجازات، على أهميتها، لم تستطع بعد أن تُترجم بشكل كافٍ إلى تحسن ملموس في مؤشرات التشغيل والعدالة الاجتماعية، خاصة في صفوف الشباب. فمعدلات البطالة المرتفعة، خصوصًا في المدن، تطرح تحديًا حقيقيًا أمام السياسات العمومية، وتكشف عن اختلالات عميقة في العلاقة بين منظومة التعليم وسوق الشغل.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن سؤال العدالة المجالية يظل أحد أبرز التحديات التي تواجه النموذج التنموي المغربي. فالفوارق بين المجالات الترابية، سواء بين المدن والقرى أو بين الجهات، لا تزال حاضرة بقوة، رغم الجهود المبذولة في إطار الجهوية المتقدمة وبرامج التنمية القروية. ويكفي أن نلقي نظرة على مؤشرات الفقر والهشاشة لنكتشف أن جزءًا مهمًا من المغاربة لا يزال يعيش على هامش دينامية النمو الاقتصادي.
سياسيًا، يطرح الواقع المغربي بدوره أسئلة عميقة حول طبيعة الوساطة السياسية ودور الأحزاب في تأطير المجتمع. فالأحزاب، التي يفترض أن تشكل العمود الفقري للحياة الديمقراطية، تعاني في كثير من الأحيان من أزمة ثقة لدى المواطنين، نتيجة ضعف التأطير، وغياب النقاش الفكري العميق، وتحول جزء من الممارسة الحزبية إلى مجرد تدبير تقني للانتخابات بدل أن تكون فضاءً لإنتاج الأفكار والمشاريع المجتمعية.
هذا الوضع ينعكس بشكل واضح على مستوى المشاركة السياسية، حيث يلاحظ نوع من الفتور في انخراط فئات واسعة من الشباب في العمل السياسي، ليس بالضرورة بسبب اللامبالاة، بل في كثير من الأحيان نتيجة شعور بأن السياسة لم تعد قادرة على التعبير عن تطلعاتهم أو الدفاع عن قضاياهم اليومية. وهنا يبرز تحدٍ مركزي يتعلق بضرورة إعادة الاعتبار للسياسة كأداة للتغيير المجتمعي، لا كمجرد آلية لتدبير التوازنات الظرفية.
في المقابل، يظل المجتمع المغربي حيويًا بطبيعته، حيث تتنامى أشكال جديدة من التعبير المدني، سواء عبر المبادرات الجمعوية أو عبر الفضاء الرقمي الذي أصبح يشكل ساحة مفتوحة للنقاش العمومي. غير أن هذا الفضاء الرقمي، رغم أهميته، يحمل بدوره مخاطر انتشار الخطاب الشعبوي وتبسيط القضايا المعقدة، مما يستدعي تعزيز الثقافة السياسية والنقاش العمومي الرصين.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن فهم التحولات الداخلية للمغرب بمعزل عن محيطه الإقليمي والدولي. فالمملكة تجد نفسها اليوم في قلب تحولات جيوسياسية عميقة، سواء على مستوى القارة الإفريقية أو في فضاء البحر الأبيض المتوسط. وقد نجح المغرب إلى حد بعيد في تعزيز حضوره الدبلوماسي، خاصة في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، حيث استطاع تحقيق مكاسب مهمة على مستوى الاعتراف الدولي بمقترح الحكم الذاتي.
لكن هذه النجاحات الدبلوماسية تضع بدورها مسؤوليات إضافية على الداخل المغربي، لأن قوة الدولة في الخارج ترتبط في نهاية المطاف بصلابة جبهتها الداخلية، وبقدرتها على تحقيق تنمية شاملة تعزز ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
إن المغرب يقف اليوم عند مفترق طرق بين خيارين: إما أن يتحول طموح الإقلاع التنموي إلى مشروع مجتمعي حقيقي يشارك فيه الجميع، أو أن يبقى مجرد خطاب سياسي تصطدم حدوده بإكراهات الواقع. وهذا يقتضي إعادة التفكير في عدد من الأسئلة الجوهرية: كيف يمكن تحويل النمو الاقتصادي إلى عدالة اجتماعية؟ كيف يمكن تجديد النخب السياسية بما يعيد الثقة في العمل الحزبي؟ وكيف يمكن بناء علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع تقوم على الشفافية والمشاركة والمسؤولية المشتركة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تكون تقنية فقط، بل تحتاج قبل كل شيء إلى إرادة سياسية وثقافة ديمقراطية تؤمن بأن التنمية ليست مجرد أرقام في التقارير، بل هي قبل كل شيء كرامة إنسانية وعدالة اجتماعية وفرص متكافئة لجميع المواطنين.
في النهاية، يبقى المغرب بلد الإمكانات المفتوحة، بلد التوازنات الدقيقة بين الاستقرار والإصلاح، وبين المحافظة والتجديد. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس يظل رهينًا بقدرة الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين والمجتمعيين على الارتقاء بالنقاش العمومي من مستوى التدبير اليومي إلى مستوى التفكير الاستراتيجي في مستقبل الوطن.
فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي تنجح في الإقلاع ليست بالضرورة تلك التي تخلو من الأزمات، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لمواجهتها بصدق، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص لبناء مستقبل أفضل.

