رمضان بعيداً عن الأسرة.. حنين المغاربة يصنع دفئه الخاص
مع حلول شهر رمضان، تتجه الأنظار خصوصا إلى لمة العائلة حول موائد الإفطار، تلك التي تمنح هذا الشهر الكريم دفأه الخاص، غير أن فئات من المغاربة تعيش قصصا رمضانية بإيقاع مختلف. فبعيدا عن حضن الأسرة، تفرض ضرورات العمل أو الدراسة وتعقيدات الغربة نفسها على تفاصيل هذا الشهر المبارك. وتتعدد حكايات الابتعاد عن الأهل، بينما يبقى الحنين هو القاسم المشترك بينها جميعا. داخل مركبته، يمضي مصطفى، سائق شاحنة للنقل الدولي من مدينة الجديدة، أيام رمضان متنقلا بين موانئ العبور والطرق السريعة الأوروبية. فمنذ ست سنوات وهو يقطع آلاف الكيلومترات، لكن رمضان يظل، كما يقول، الامتحان الأصعب في مساره المهني.وتبدأ تجربته غالبا عند نقاط العبور، خصوصا بميناء طنجة المتوسط، حيث يحرص على تنظيم يومه بدقة؛ فيخطط مسبقا لمحطات الاستراحة التي سيتوقف فيها لإعداد إفطاره، ويوزع ساعات القيادة بطريقة تخفف من مشقة الصيام.غير أن طبيعة المهنة لا تسمح دائما بتخطيط مثالي، إذ قد يجد نفسه مضطرا إلى الإفطار بسرعة وهو خلف المقود، مكتفيا بحبات تمر وماء قبل أن يواصل الطريق احتراما لمواعيد التسليم. ويشتد لديه الإحساس بالغربة كلما حل رمضان، لذلك يعوض غيابه عن دفء الأسرة، خاصة وقت الإفطار، بمكالمات فيديو يومية تجعله، ولو افتراضيا، جزءا من تلك التفاصيل الصغيرة التي تمنح الشهر معناه.وفي حديثه لوكالة المغرب العربي للأنباء، يقول مصطفى إن السائقين المغاربة يجدون مواساتهم في بعضهم البعض، فلقاء عابر في محطة استراحة قد يتحول إلى إفطار جماعي وصلاة تراويح مشتركة، مضيفا أن العديد من أفراد الجالية المغربية يبادرون إلى دعوة السائقين للإفطار بمجرد رؤيتهم لوحة ترقيم مغربية، في صور من التضامن تخفف عنهم قسوة الطريق. ومن الطرقات الدولية إلى مقاعد الجامعة، يعيش عمر، وهو طالب بسلك الماستر منحدر من مكناس ويقيم بالرباط، تجربة رمضان بطابع مختلف، بعدما فرضت عليه التزاماته الجامعية البقاء بعيدا عن أسرته لأول مرة. ويقول في هذا الصدد: أقضي أيام هذا الشهر المبارك في العاصمة الرباط، حيث تفرض ظروف دراستي الجامعية البقاء بعيدا عن الأسرة، مستحضرا بحنين أطباق والدته ودفء اللمة العائلية. ويشتد لديه هذا الإحساس بالفقد حين يسترجع ليالي الذكر والحضرة العيساوية التي تميز مدينته مكناس، وما يصاحبها من أجواء روحانية خاصة بعد صلاة التراويح. غير أن عمر ينظر إلى هذه المرحلة باعتبارها محطة ضرورية في مساره الشخصي، إذ يرى أن الاغتراب المؤقت مدرسة للاعتماد على النفس، وفرصة لإعادة اكتشاف قيمة التفاصيل البسيطة التي كانت تبدو عادية داخل كنف العائلة. ومن جانبه، يعيش عبد الإله، أستاذ التعليم الابتدائي بإحدى القرى التابعة لإقليم شفشاون، تجربة مشابهة منذ سنة 2014، حين غادر مسقط رأسه بالمرس في الأطلس المتوسط في سياق دراسته الجامعية، قبل أن يلتحق لاحقا بقطاع التعليم. ومنذ ذلك الحين، تعود على قضاء رمضان بعيدا عن أسرته، مشيرا إلى أن تجربته الرمضانية خلال سنوات الجامعة أفادته كثيرا فيما بعد، خاصة في ما يتعلق بمهارات الطبخ. ويقيم عبد الإله حاليا مع صديقه بالقرب من مقر عمله، حيث يتقاسمان إعداد الأطباق الرمضانية الأساسية، وعلى رأسها الحريرة، في محاولة لخلق أجواء منزلية تعوض بعضا من دفء الأسرة. وبين سائق يشق الطرقات الدولية، وطالب يوازن بين الدراسة والصيام، وأستاذ يؤدي رسالته في قرية بعيدة، تلتقي هذه التجارب عند حقيقة واحدة، وهي أن رمضان، حتى حين يعيشه الأفراد بعيدا عن أسرهم، يظل مناسبة لتجديد الروابط وإعادة اكتشاف معنى القرب رغم المسافات.

