انقسام داخل النخب الأمريكية حول الحرب على إيران

انقسام داخل النخب الأمريكية حول الحرب على إيران
صابر محمد /مجلة24

ربما لم تشهد الولايات المتحدة حربا أثارت انقساما داخل أوساط النخب السياسية والفكرية كما فعلت الحرب التي شنها دونالد ترامب على إيران. فقد برزت أصوات عديدة تعارض هذه الخطوة وتحذر من تداعياتها على مكانة الولايات المتحدة في العالم ومستقبل النظام الدولي.

ومن بين أبرز المنتقدين الكاتب أندرو داي، محرر صحيفة الأمريكي المحافظ، الذي اعتبر أن ما يجري يمثل العمل الأخير للإمبراطورية الأمريكية. ويرى أن هذه الحرب خاسرة قبل إطلاق أول صاروخ، وأن نتائجها ستؤدي في النهاية إلى تقويض مصداقية الولايات المتحدة وإلى إرباك الاقتصاد الدولي بطريقة قد لا تستطيع واشنطن التعافي منها بسهولة.

كما كتب مايك آدامز، محرر موقع الأخبار الطبيعية، مقالا بعنوان كيف خسر ترامب الحرب قبل أن تبدأ، مؤكدا أن التورط في صراع جديد سيزيد من تعقيد الأوضاع العالمية ويضع الولايات المتحدة أمام تحديات استراتيجية واقتصادية كبيرة.

بدوره يرى ستيفن والت، الكاتب في مجلة السياسة الخارجية الصادرة في واشنطن، أن التاريخ الأمريكي يكشف ميلا مستمرا إلى خوض الحروب، بغض النظر عن تصريحات الرؤساء بشأن السلام. ويشير إلى أن هذا الميل يشكل خطرا حقيقيا على الأمن العالمي، خصوصا أن الولايات المتحدة تمتلك أكبر ترسانة من أسلحة الدمار الشامل وعلى رأسها السلاح النووي، إضافة إلى قوتها الاقتصادية الضخمة وتأثيرها الواسع في النظام الدولي.

ويستحضر منتقدو الحرب تجارب سابقة خاضتها الولايات المتحدة، مثل حرب فيتنام وكوريا ثم غزو العراق، حيث تركت هذه الحروب آثارا عميقة على الاستقرار العالمي وأثارت انتقادات واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها.

ويرى البعض أن الإدارة الأمريكية الحالية تستفيد من ضعف العمل الدولي المشترك وتراجع دور المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من التكتلات الإقليمية. ويعتبر هؤلاء أن هذا الضعف سمح لواشنطن باتخاذ قرارات أحادية دون الالتفات إلى قواعد النظام الدولي أو مواقف الرأي العام العالمي.

كما يشير منتقدو السياسات الأمريكية إلى تصريحات للرئيس ترامب حول قضايا أخرى، مثل حديثه عن السيطرة على جزيرة غرينلاند أو فكرة ضم كندا كولاية جديدة، معتبرين أن مثل هذه المواقف تعكس أسلوبا سياسيا يتجاهل الأعراف الدبلوماسية التقليدية.

ويطرح هذا الواقع سؤالا حول كيفية تعامل العالم مع دولة كبرى تتصرف أحيانا خارج الإطار المعتاد للسياسة الدولية. فالكثير من الدول، بحسب هذه الآراء، تتجنب المواجهة المباشرة مع واشنطن خشية ردود أفعالها أو تأثيرها الاقتصادي والسياسي.

ويذهب بعض المحللين إلى أن هذا الصمت الدولي قد يشجع على استمرار التدخلات العسكرية، رغم أن الخطاب الدولي غالبا ما يؤكد أهمية السلام واحترام سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

وفي هذا السياق يرى المنتقدون أن الحرب على إيران تطرح إشكالات كبيرة، لأن إيران ليست دولة هامشية بل قوة إقليمية ذات تاريخ طويل وحضور سياسي مؤثر. ويرى هؤلاء أن التعامل معها بمنطق الهيمنة أو فرض الإرادة قد يؤدي إلى تعقيد الأوضاع الإقليمية والدولية.

كما يشير بعضهم إلى أن الجهود الدولية كانت قد ركزت سابقا على تنظيم البرنامج النووي الإيراني من خلال الاتفاقات الدولية وإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن أي تصعيد عسكري قد يقوض هذه المسارات الدبلوماسية.

ومن القضايا التي أثارت جدلا أيضا مسألة الشرعية الدولية، حيث يؤكد منتقدو الحرب أن أي عمل عسكري يجب أن يتم في إطار القانون الدولي وبموافقة المؤسسات الدولية المختصة.

وفي الوقت نفسه تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع في المنطقة، خصوصا مع احتمال امتداد المواجهة إلى جبهات أخرى في الشرق الأوسط، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرات اقتصادية عالمية واسعة.

ويرى كثير من المحللين أن مثل هذا الصراع لن يكون قصيرا أو محدودا، بل قد يتحول إلى مواجهة طويلة ومعقدة تستنزف موارد الدول المشاركة فيه وتؤثر في الاستقرار الإقليمي.

كما يشير مراقبون إلى أن الأوضاع الإنسانية في عدد من مناطق الشرق الأوسط، بما فيها غزة ولبنان، تزداد صعوبة في ظل استمرار الصراعات المسلحة وتراجع المساعدات الإنسانية وتضرر البنية التحتية.

وفي ضوء هذه التحديات يدعو عدد من الخبراء والسياسيين إلى ضرورة التحرك السريع لوقف التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي. ويرى هؤلاء أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مطالبان بلعب دور أكثر فاعلية لمنع توسع الحرب والحفاظ على الأمن والسلم الدوليين.

كما يؤكدون أن الضغط الدولي من قبل الدول العربية والإسلامية والدول الكبرى قد يكون عاملا مهما في دفع الأطراف نحو وقف إطلاق النار وفتح باب المفاوضات.

وفي النهاية يرى كثير من المراقبين أن منع اتساع الحرب ليس مجرد مسألة سياسية بل ضرورة إنسانية أيضا، خاصة بالنسبة لشعوب منطقة الخليج والعراق وبلاد الشام التي قد تتحمل العبء الأكبر لأي صراع طويل في المنطقة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *