التكييف القانوني لحق النقد وضوابط التمييز بين حرية الرأي وجرائم النشر والتعدي على الاعتبار الشخصي

التكييف القانوني لحق النقد وضوابط التمييز بين حرية الرأي وجرائم النشر والتعدي على الاعتبار الشخصي
متابعة مجلة 24

تتجلى إشكالية الفصل بين ممارسة الحق الدستوري في نقد الأداء العام وبين الانزلاق إلى حوزة التجريم الجنائي في الفارق الدقيق الذي يضعه القانون بين تقويم العمل والنيل من الشخص، حيث ينهض حق النقد كضمانة أساسية لسلامة المؤسسات والمصلحة العامة، شريطة أن ينضبط بضوابط موضوعية وقانونية صارمة تخرجه من دائرة التشهير. فالنقد المباح، في عقيدة الفقه القانوني المستقر، ليس رخصة مطلقة لاستباحة كرامة الأفراد، بل هو فعل إصلاحي يتطلب بالضرورة توافر حسن النية، بحيث يكون الباعث المحرك للناقد هو تغليب المصلحة العامة وكشف مواطن الخلل الإداري أو المهني، بعيداً عن الرغبة في التشفي أو تصفية الخصومات الشخصية. ويتصل بهذا الشرط الوجداني شرط مادي آخر يتمثل في وجوب ارتكاز النقد على وقائع ثابتة ومحددة سلفاً، إذ إن استناد الطعن إلى وقائع مختلقة أو إشاعات مرسلة ينفي عن الفعل صفة الإباحة ويضعه تحت طائلة قوانين العقوبات بوصفه قذفاً يعاقب عليه القانون، نظراً لما يلحقه من ضرر معنوي جسيم بمركز الفرد واعتباره الاجتماعي.
​وتبرز النقطة الجوهرية في هذا السياق عند تحديد “محل النقد”، إذ يمنح القانون حصانة واسعة للآراء التي تشرح القرارات الإدارية، وتنتقد السياسات العامة، وتحلل كفاءة الموظف العام في حدود واجبه الوظيفي، إلا أن هذه الحصانة تتلاشى فور انتقال العبارات من نقد “الأداء العملي” إلى المساس بـ “الذات أو الحياة الشخصية”. فبمجرد أن يتضمن الخطاب عيباً في شخص المنقود، أو طعناً في عرضه، أو تعرضاً لخصوصياته التي لا صلة لها بالصالح العام، فإن الناقد يغادر مربع حرية الرأي المكفولة دستورياً ليدخل في دائرة جرائم النشر والإهانة. إن هذا التوصيف الجنائي يترتب عليه عقوبات مغلظة تتراوح بين الحبس والغرامات المالية الباهظة، تأسيساً على مبدأ قانوني راسخ يقضي بأن كرامة الإنسان وحرمة حياته الخاصة تسموان على رغبة الفرد في التعبير إذا ما حاد هذا التعبير عن جادة الموضوعية. وبناءً عليه، فإن الوعي القانوني يفرض على الناقد الالتزام بلغة رصينة تنصب على الفعل لا الفاعل، وتعتمد البرهان لا البهتان، ضماناً لممارسة حق النقد دون السقوط في فخ المسؤولية الجنائية التي لا يعتد فيها بجهل القانون أو نبل المقصد إذا ما اقترن بتجاوز الحدود الأخلاقية والقانونية المقررة لحماية الاعتبار الشخصي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *