من النووي إلى إسقاط النظام.. الأهداف الخفية للحرب على إيران

من النووي إلى إسقاط النظام.. الأهداف الخفية للحرب على إيران
متابعة مجلة 24

شهدت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تطورا خطيرا تمثل في إطلاق عمليتين عسكريتين حملتا اسم الغضب الملحمي أمريكيا وزئير الأسد إسرائيليا. وقد بدأت هذه العمليات بضربة مباغتة استهدفت القيادة العليا للنظام الإيراني، وأسفرت، وفق الروايات المتداولة، عن اغتيال المرشد الأعلى وعدد من كبار القادة العسكريين، في محاولة لتحقيق انتصار معنوي سريع يقوم على مبدأ قطع الرأس أملا في انهيار بنية النظام.

وكان الرهان أن يؤدي القضاء على رأس القيادة السياسية والعسكرية إلى إرباك النظام الإيراني وإضعاف قدرته على الصمود. غير أن هذه الحرب أثارت منذ بدايتها جدلا واسعا حول شرعيتها، إذ اعتبرها كثير من السياسيين الأمريكيين مخالفة للقانون الدولي، كما أنها، وفق منتقديها، تتعارض مع الدستور الأمريكي الذي يشترط موافقة الكونغرس على إعلان الحرب، وفقا لقانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973.

وجاءت هذه التطورات في وقت كانت فيه المسارات الدبلوماسية لا تزال مفتوحة. فقد انطلقت في مطلع فبراير جولة مفاوضات جديدة بين الولايات المتحدة وإيران حول البرنامج النووي الإيراني، بوساطة سلطنة عمان في مسقط، أعقبتها جولتان في جنيف، وكان من المقرر عقد جولة رابعة. وقد ساد حينها قدر من التفاؤل بإمكانية تحقيق تقدم، خاصة بعد تصريحات وزير الخارجية العماني عن اقتراب التوصل إلى اختراق، في ظل استعداد إيران لخفض نسبة تخصيب اليورانيوم ومعالجة مخزونها المخصب بنسبة 60 في المائة، في محاولة لطمأنة واشنطن بشأن عدم سعيها لامتلاك سلاح نووي.

لكن الموقف الأمريكي ظل متشددا، حيث تمسكت واشنطن بشروط مرتفعة السقف، أبرزها الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم، وتقييد البرنامج الصاروخي الإيراني، وإنهاء دعم طهران لحلفائها في المنطقة. وهي شروط اعتبرتها طهران أقرب إلى الاستسلام الكامل منها إلى تسوية تفاوضية.

وفي خضم هذه التطورات، سلطت مجلة الإيكونوميست البريطانية الضوء على الحرب في ملف غلاف بعنوان حرب ترامب على إيران بلا استراتيجية واضحة، مشيرة إلى أن الهدف الحقيقي للعمليات العسكرية قد يتجاوز الملف النووي ليصل إلى محاولة إسقاط النظام الإيراني وتنصيب سلطة أكثر قربا من واشنطن.

وفي الداخل الإيراني، برز الحرس الثوري باعتباره الطرف الأكثر تأثيرا في إدارة الأزمة، خاصة بعد تشكيل مجلس قيادة مؤقت يتولى صلاحيات المرشد إلى حين اختيار قائد جديد. ويرى قادة الحرس الثوري أن العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية تشكل تهديدا وجوديا للنظام، وأنها تهدف إلى إحداث فوضى داخلية من خلال دعم قوى معارضة، بما في ذلك جماعات كردية، بهدف استنزاف الدولة الإيرانية وإضعافها من الداخل.

وفي الولايات المتحدة، واجه الرئيس دونالد ترامب انتقادات حادة من أعضاء ديمقراطيين في الكونغرس، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود وتداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي. واتهم بعض أعضاء مجلس الشيوخ الإدارة الأمريكية بعدم تقديم مبررات كافية لشن الحرب، معتبرين أن نتنياهو وجد في ترامب حليفا مستعدا لتحقيق هدف طالما سعى إليه على مدى عقود، وهو توجيه ضربة حاسمة لإيران، وهو ما رفضته إدارات أمريكية سابقة.

ويرى مراقبون أن هذه الحرب تخدم في المقام الأول المصالح الاستراتيجية لإسرائيل أكثر مما تخدم المصالح المباشرة للولايات المتحدة، خصوصا في ظل اتساع نطاق الضربات الجوية واستخدام قاذفات ومقاتلات متطورة مثل B-52 وF-35، التي نفذت هجمات مكثفة من خارج منطقة الخليج.

وفي المقابل، ردت إيران بتوسيع نطاق المواجهة عبر استهداف منشآت حيوية ومدنية في عدد من دول الخليج، بما في ذلك منشآت الطاقة والمطارات والموانئ، إلى جانب تهديد الملاحة في مضيق هرمز. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز لمستويات لم تشهدها الأسواق منذ عام 2022، ما يهدد بإرباك أسواق الطاقة العالمية.

ورغم أن الرئيس الإيراني قدم في خطاب متلفز اعتذارا للدول الخليجية وتعهد بعدم استهدافها ما لم تنطلق منها هجمات ضد إيران، فإن الحرس الثوري واصل تنفيذ ضربات صاروخية ومسيرات استهدفت مواقع في السعودية وقطر والبحرين ومحيط مطار دبي الدولي.

وتشير تقارير إلى أن حجم الهجمات الإيرانية على دول الخليج خلال الأسبوع الأول من المواجهات فاق بكثير تلك التي استهدفت إسرائيل، إذ أطلقت إيران أكثر من 572 صاروخا و1680 طائرة مسيرة باتجاه دول مجلس التعاون، مقابل نحو 250 صاروخا و100 مسيرة فقط نحو إسرائيل، ما يثير تساؤلات حول حسابات طهران الاستراتيجية ويعمق أزمة الثقة بينها وبين دول المنطقة.

ومع نهاية الأسبوع الأول من العمليات، أعلن الرئيس ترامب عبر منصة تروث سوشيال موقفا متشددا حين قال إنه لن تكون هناك أي صفقة مع إيران، وأن المطلوب هو استسلام غير مشروط وانتخاب قيادة جديدة قادرة على تغيير مسار البلاد، مؤكدا أن الولايات المتحدة وحلفاءها سيعملون على إنقاذ إيران من الدمار وبناء اقتصاد أقوى لها في المستقبل.

ويشير هذا الخطاب إلى أن مقاربة ترامب قد تقوم على إعادة تشكيل النظام السياسي في إيران وإعادة دمج البلاد ضمن منظومة المصالح الأمريكية، بما يفتح المجال أمام الشركات الأمريكية للاستثمار في قطاع النفط والموارد الطبيعية الإيرانية، في إطار رؤية أوسع لإعادة ترتيب توازنات المنطقة.

وهنا تكمن المعضلة الكبرى: فالحرب لا تبدو مجرد مواجهة حول البرنامج النووي الإيراني، بل جزء من صراع أوسع على النفوذ والموارد وإعادة رسم خريطة التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *