الكرامة الإنسانية و أطباق الفضاء الرقمي….
من بين القصص و المواضيع التي تداولتها صفحات مواقع التواصل الاجتماعي في بداية شهــر رمضان2026 قصة امرأة خرجت لتوها من وراء القضبان… امرأة مكسورة، منهارة، أنهت عقوبتها وغادرت السجن، لكنها لم تجد أحدًا في انتظارها عند البوابة؛ لا عائلة، لا أصدقاء، لا معارف…ولا حتى أولئك الذين كانوا يومًا يتابعون تفاصيل حياتها في الفضاء الافتراضي..
ما وجدته كان شيئًا آخر؛ ميكروفونات ممدودة، وعدسات كاميرات متعطشة لالتقاط لحظة ضعف، وتصريح مرتبك، ودمعة يمكن تحويلها إلى مادة دسمة في أطباق الفضاء الرقمي، وكأن الانكسار أصبح مادة خام لصناعة “التــراند”.
هذه المرأة كانت تعيش حياة زوجية مع زوجها وأبنائها في أفخم الفيلات، قبل أن تقرر نقل حياتها من المجال الخاص إلى المجال العام فانساقت خلف خطاب “كوني امرأة قوية”، واحتضنتها صفحـات “independent women”، التي تديرها فاشلات في الحياة و في المجتمع تتلقف يوميًا مئات الحالات الضحايا، وغسل أدمغتهم وزرع سموم خطابات التمرد على الرجل، وعلى الأعراف والقيم، وتُسوِّق لفكرة الطلاق والسيطرة والصراع بدل التوازن والمسؤولية، وكــل من بالغت في وصفات التمرد المقدمة لها ورفعت سقف المواجهة، تُمنح لقب “مؤثرة”، دون أن تطرح السؤال: مؤثرة في ماذا؟ وعلى من؟
بعضهن يصدقن اللقب، ويستمرن في الانتشاء و التصعيد، إلى أن تنتهي القصة أحيانًا بشكل مأساوي…
المؤلم ليس فقط في مصير مثل هذه الـــحالات التي اختـارت نقل حياتها من المجال الخاص إلى المجال العام …
المؤلم أننا في الفضاء الرقمي لم نعد نرى الإنسان كإنسان، صرنا نراه عنوانًا مثيرًا و قصة قابلة للاستهلاك، و”محتوى” جاهــزًا للعرض. و هذا التحول أصاب وعينا الجمعي و تحوّلنا من مجتمع يتعاطف إلى جمهور يستهلك.
وبخلافات قد تكون بسيطة، تتضخم ببهارات إعلام فقد جزءًا من شرف المهنة، وأصبح متخصصًا في نهش الأعراض، واستغلال المآسي، والمتاجرة بالخصوصيات.
وفي النهاية يدفع الإنسان ثمن خطئــه مرتين: مرة أمام القضاء، ومرة أمام جمهور لا ينسى ولا يرحم…
الفضاء الرقمي ليس غابة، ولا ينبغي أن يكون كذلك.
هــو امتداد للمجتمع، وإذا فقدنا فيه إنسانيتنا، فإننا نفقد شيئًا أعمق من مجرد “متابعة” أو “إعجاب”.
لنسأل أنفسنا قبل أن نضغط زر النشر أو المشاركة:
هل نضيف وعيًا؟أم نضيف ألمًا؟
الكرامة الإنسانية ليست مادة إعلامية.
والإنسان، مهما أخطأ، يظل إنسانًا….

