شذرات من تاريخ لاينسى …. درس في الأمانة لا أنسا

شذرات من تاريخ لاينسى …. درس في الأمانة لا أنسا
بقلم : عبد السلام معدني

في زمن الاستعمار، كنت أعيش رفقة والدي سيدي أحمد ووالدتي لالة زهرة بحي “انزالت الحد” بمدينة سطات. كان الفقر يومها على أشده؛ كان والدي يكدّ في أي عمل يُتاح له مقابل 60 أو 80 ريالًا في اليوم، أي ما يعادل ثلاثة أو أربعة دراهم، وأحيانًا يعود بلا شيء.

شاءت الأقدار أن يظفر بعمل في أحد أوراش البناء بالمدينة، يشرف عليه رجل أمازيغي يُدعى “الكابران بلعيد”. لم تكن له عائلة بسطات، فتوثقت علاقته بوالدي حتى غدا صديقًا حميمًا له، يزور بيتنا المتواضع كلما سنحت له الفرصة.

ثم داهم المرض الكابران بلعيد، فلم يجد قلبًا أحنّ ولا يدًا أصدق من والدي، الذي احتضنه في منزلنا واعتنى به حتى وافته المنية. دفناه بمقبرة مقبرة سيدي عبد الكريم، رحمه الله، وترك عند والدي أمتعته وماله ملفوفًا في “صُرّة”.

مرّت شهور، ثم قدم إلى سطات شقيقان له يبحثان عنه. وبعد السؤال والتقصّي وصلا إلى والدي، فأخذهما إلى بيتنا في “انزالت الحد”، ومكثا عندنا يومين، وزارا قبر أخيهما. وحين همّا بالعودة، سلّمهما والدي أمتعة أخيهما والصُرّة كما هي، دون أن يفتحها أو يعرف مقدار ما فيها.

تفاجأ الشقيقان من أمانته؛ فقد كان بإمكانه، وهو الذي عانى شظف العيش، أن يتصرف في المال، لكنه لم يفعل. تعانقوا جميعًا والدموع في الأعين، وشكراه على وفائه ونُبل خُلُقه.

كنت آنذاك طفلًا أدرس القرآن في أحد مساجد “انزالت الحد”، وشهدت ذلك الموقف الذي حُفر في ذاكرتي. كان درسًا في الأمانة لا يُنسى، تعلّمته من رجلٍ تعب من أجلي، وأطعمني من حلال، وسهر على تربيتي، وزوّجني أمَّ أبنائي، رحمه الله. كنت وحيده، لا إخوة لي ولا أخوات، فكان هو السند والأب والمعلم.

وللإشارة، فقد كانت للكابران بلعيد صلةٌ بالمقاومة زمن الاستعمار، ما يزيد سيرته تقديرًا في القلوب.

ذلك الموقف علّمني أن الأمانة ليست شعارًا يُرفع، بل خُلق يُمتحن في أشد لحظات الحاجة… ومن يومها، صرت أوقن أن أعظم ميراث يتركه الآباء لأبنائهم هو سيرةٌ نظيفة ويدٌ لا تمتد إلا إلى الحق.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *