قراءة سوسيوسياسية في القانون رقم 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي: نحو ميثاق جديد للحق في التعليم
يُشكل صدور القانون رقم 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي (فبراير 2026) لحظة فارقة في المسار التشريعي المغربي، ليس فقط لكونه يأتي تنفيذاً لمقتضيات القانون-الإطار رقم 51.17، بل لأنه يعيد رسم “العقد التربوي” بين الدولة، المجتمع، والقطاع الخاص. إن هذه القراءة المنهجية لمواد القانون تكشف عن فلسفة تشريعية تروم مأسسة الجودة وتكريس مبدأ الإنصاف.
أولاً: الهيكلة المفاهيمية والمقومات الأساسية (المواد 1 – 5)
لقد حرص المشرع في مستهل القانون على تحديد دقيق للمصطلحات (المادة 2)، حيث برز مفهوم “المشروع الشخصي للمتعلم” كصيرورة ذاتية تهدف إلى تنمية قدرات الفرد، ومفهوم “التعليم المدرسي الاستدراكي” الذي يجسد مرونة المنظومة في استقطاب المنقطعين.
المرتكزات: تؤكد المادة 5 على التمسك بالثوابت الوطنية والقيم الكونية، مع جعل التعليم المدرسي مدخلاً للارتقاء الفردي والمجتمعي، وربط المناهج بالبحث العلمي والابتكار.
ثانياً: إلزامية التعليم وضمانات الولوج (المواد 6 – 15)
يعتبر هذا القسم قلب القانون النابض، حيث أقرّ المشرع إلزامية التعليم لجميع الأطفال من 4 سنوات إلى تمام 16 سنة (المادة 6).
المسؤولية المشتركة: تضع المواد 7 و8 مسؤولية تسجيل الأطفال ومواظبتهم على عاتق الأب أو الأم أو الكافل، تحت طائلة تفعيل إجراءات “تلقائية” من طرف الأكاديميات في حال الإخلال بذلك.
التمييز الإيجابي: خص المشرع (المادة 13) فئات هشة بآليات دعم خاصة، تشمل أطفال الوسط القروي، الأطفال في وضعية إعاقة، وأبناء المهاجرين، لضمان تكافؤ الفرص الفعلي لا الصوري.
ثالثاً: تنظيم عرض التعليم المدرسي (المواد 16 – 31)
هيكلة التعليم المدرسي وفق المادة 16 تشمل:
التعليم الابتدائي (بما فيه الأولي).
التعليم الإعدادي.
التعليم الثانوي التأهيلي.
أقسام تحضير شهادة التقني العالي والأقسام التحضيرية للمدارس العليا.
التعليم المدرسي الاستدراكي.
الأحواض المدرسية: استحدث القانون (المادة 29) مفهوم “الأحواض المدرسية” كآلية ترابية للتنسيق والتدبير الأمثل للموارد بين المؤسسات.
رابعاً: حكامة المؤسسات و”ميثاق المتعلم” (المواد 32 – 37)
انتقل القانون نحو “استقلالية المؤسسة” من خلال مشروع المؤسسة المندمج (المادة 32)، الذي يعد وثيقة تعاقدية لتطوير الأداء. كما أُلزمت كل مؤسسة بوضع “ميثاق للمتعلم” (المادة 35) يحدد حقوقه وواجباته، مما يكرس ثقافة المواطنة داخل الفضاء المدرسي.
خامساً: القطاع الخاص.. من الاستثمار إلى الشراكة (المواد 40 – 53)
أفرد القانون مقتضيات صارمة ومنظمة للتعليم الخصوصي:
التكامل: تعتبر المؤسسات الخاصة شريكاً في تقديم الخدمة العمومية (المادة 40).
الشفافية المالية: ألزمت المادة 49 المؤسسات بالإعلان عن لائحة الرسوم والواجبات، ومنعت أي زيادة خلال السنة الدراسية الجارية إلا بموجب ضوابط محددة.
العقد التربوي: فرضت المادة 50 إبرام عقد مكتوب يحدد التزامات المؤسسة تجاه المتعلم وأسرته، مما ينهي عهد العشوائية في التعاملات البينية.
خلاصة واستشراف
إن القانون رقم 59.21 ليس مجرد نصوص تقنية، بل هو رؤية سياسية تهدف إلى ردم الفوارق المجالية والاجتماعية. فمن خلال مأسسة “الفرصة الثانية” وتشديد الرقابة على الجودة في القطاعين العام والخاص، يسعى المشرع إلى بناء “مدرسة الإنصاف” التي تؤهل شبابنا لتحديات القرن الواحد والعشرين.
ملاحظة بحثية: الرهان الحقيقي يظل مرتبطاً بصدور النصوص التنظيمية (المشار إليها في المواد 15، 24، 31، وغيرها) وبمدى قدرة الفاعلين الميدانيين على استيعاب هذه الفلسفة الجديدة.

