القانون رقم 59.21 وبناء مدرسة الدولة الاجتماعية: بين إلزامية التمدرس ورهان الجودة

القانون رقم 59.21 وبناء مدرسة الدولة الاجتماعية: بين إلزامية التمدرس ورهان الجودة
بقلم: د. عبد الإله طلوع باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

يشكل صدور القانون رقم 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي تحولا نوعيا في فلسفة التشريع التربوي بالمغرب. فالنص لا يقتصر على إعادة تنظيم الأسلاك التعليمية أو ضبط العلاقة بين القطاعين العام والخاص، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة تعريف وظيفة المدرسة داخل مشروع الدولة الاجتماعية. نحن أمام قانون يحاول الانتقال من مدرسة “تدبير الأزمة” إلى مدرسة “صناعة المستقبل”.
إن الرهان الذي يحمله هذا القانون مزدوج: من جهة، تثبيت إلزامية التمدرس كقاعدة قانونية صارمة؛ ومن جهة ثانية، مأسسة الجودة والإنصاف كمدخلين لإعادة بناء الثقة في المدرسة العمومية.

أولاً: إلزامية التعليم كخيار سياسي استراتيجي
حين يقر المشرع إلزامية التعليم من سن الرابعة إلى السادسة عشرة، فإنه لا يوسع فقط قاعدة الولوج، بل يعيد ترتيب الأولويات الوطنية. فالتعليم هنا لم يعد مجرد حق دستوري معلن، بل التزام قانوني قابل للتفعيل والمساءلة.
سياسياً، يعكس هذا التوجه قناعة مفادها أن الرأسمال البشري هو المحدد الحاسم في تنافسية الدول. واجتماعياً، هو محاولة لقطع الطريق أمام إعادة إنتاج الهشاشة عبر الأجيال. غير أن الإلزامية، في بعدها الواقعي، لا يمكن أن تختزل في نص قانوني. فهي تتطلب:
بنية تحتية كافية، خاصة في العالم القروي.
دعماً اجتماعياً للأسر الفقيرة.
نقلاً مدرسياً وإيواءً ملائماً.
تأطيراً تربوياً يراعي الفوارق الفردية.
من دون هذه الشروط، قد تتحول الإلزامية إلى عبء إداري بدل أن تكون آلية للتمكين.

ثانياً: مشروع المؤسسة واستقلالية القرار التربوي
من بين أهم مستجدات القانون تكريس “مشروع المؤسسة المندمج” كوثيقة تعاقدية لتطوير الأداء. هذا المقتضى يعكس توجهاً نحو لا مركزية القرار التربوي، ومنح المؤسسة هامشاً من المبادرة في تدبير شؤونها.
إن الانتقال من منطق التعليم الممركز إلى منطق المؤسسة الفاعلة يعني أن المدير والأطر التربوية لم يعودوا مجرد منفذين، بل شركاء في بلورة الرؤية. غير أن هذا التحول يطرح إشكالاً جوهرياً: هل تتوفر المؤسسات فعلاً على الموارد البشرية والمؤهلات التدبيرية التي تسمح لها بتحمل هذه الاستقلالية؟
الاستقلالية بدون تأهيل قد تتحول إلى ارتباك. أما إذا واكبها تكوين مستمر وتقييم دوري، فإنها قد تفتح الباب أمام دينامية حقيقية داخل الفضاء المدرسي.

ثالثاً: ميثاق المتعلم… تكريس ثقافة الحق والواجب
إلزام كل مؤسسة بوضع “ميثاق للمتعلم” يمثل خطوة رمزية عميقة. فهو ينقل العلاقة التربوية من بعدها السلطوي التقليدي إلى بعدها التعاقدي. المتعلم لم يعد موضوعاً للانضباط فقط، بل ذاتاً لها حقوق واضحة وواجبات محددة.
هذا التحول يعكس إرادة في ترسيخ ثقافة المواطنة داخل المدرسة. فالفضاء المدرسي يصبح مختبراً أولياً لممارسة المسؤولية، واحترام القانون، وقبول الاختلاف.
غير أن نجاح هذا الميثاق رهين بمدى إشراك التلاميذ فعلياً في صياغته، لا الاكتفاء بإعداده كوثيقة شكلية تعلق على الجدران.

رابعاً: التعليم الخصوصي… ضبط السوق التربوية
يقر القانون بمكانة التعليم الخصوصي كشريك في تقديم الخدمة العمومية، لكنه في المقابل يشدد على الشفافية والالتزام التعاقدي مع الأسر. فرض الإعلان المسبق عن الرسوم، ومنع الزيادات العشوائية خلال السنة الدراسية، وإلزامية العقد المكتوب، كلها إجراءات تهدف إلى حماية الأسر من التقلبات غير المبررة.
غير أن الإشكال البنيوي يظل قائماً: توسع القطاع الخاص جاء في سياق أزمة ثقة في المدرسة العمومية. وبالتالي، فإن تنظيم القطاع الخاص لا يغني عن ضرورة إصلاح المدرسة العمومية نفسها، لأن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تبنى على منطق الهروب من القطاع العام.

خامساً: الأحواض المدرسية ورهان العدالة المجالية
استحداث مفهوم “الأحواض المدرسية” يعكس توجهاً نحو عقلنة توزيع الموارد وتنسيق العرض التربوي داخل المجال الترابي. هذه الآلية يمكن أن تساهم في تقليص الفوارق بين المؤسسات، خاصة في المناطق الهشة.
غير أن فعاليتها ستظل رهينة بقدرة الفاعلين الترابيين على التنسيق الحقيقي، وتجاوز منطق التدبير المنعزل لكل مؤسسة.

خاتمة: من النص إلى التحول المجتمعي
القانون رقم 59.21 يحمل طموحاً واضحاً: بناء مدرسة الإنصاف والجودة في إطار دولة اجتماعية متجددة. لكنه، ككل تشريع إصلاحي، يواجه تحدياً مزدوجاً:
تحدي التنزيل الفعلي للنصوص التنظيمية.
تحدي تغيير الثقافة الإدارية والتربوية السائدة.
إن إصلاح التعليم ليس قراراً تقنياً فحسب، بل هو خيار سياسي عميق يمس توزيع السلطة والمعرفة والفرص داخل المجتمع. والمدرسة، في نهاية المطاف، ليست فقط مكاناً للتعلم، بل فضاء لإعادة تشكيل الوعي الجماعي.
السؤال الذي يظل مطروحاً اليوم:
هل سيكون هذا القانون نقطة انعطاف حقيقية في تاريخ المدرسة المغربية، أم مجرد حلقة جديدة في مسلسل الإصلاحات المتعاقبة؟
الجواب لن تمنحه النصوص، بل ستكشفه الممارسة اليومية داخل الفصول الدراسية، حيث يتقرر مستقبل الأجيال.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *