حين يتكلم الشعب ويصمت الرسمي: حكيم زياش مرآة الكرامة المؤجلة

حين يتكلم الشعب ويصمت الرسمي: حكيم زياش مرآة الكرامة المؤجلة
بقلم الدكتور عبدالإله طلوع، كاتب رأي 

ليس غريبًا أن يتحول اسم حكيم زياش من مجرد لاعب كرة قدم إلى قضية رأي عام، لكن الغريب – بل المقلق – أن يحدث ذلك في سياق صمت رسمي وإعلامي ونخبوي يكاد يرقى إلى مستوى التواطؤ الرمزي. فحين يُستهدف أحد أبرز أبناء هذا الوطن، لا فقط في مساره الرياضي، بل في صورته وكرامته، يصبح السؤال أكبر من واقعة عابرة: أي معنى تبقى للانتماء حين يخذل الوطن أبناءه في لحظة الحاجة؟

المشهد هذه المرة لا يحتاج إلى كثير من التأويل. المغرب الشعبي، بكل تلاوينه الاجتماعية والثقافية، انتفض دفاعًا عن زياش. وداديون ورجاويون، روافة وجبالة وسواسة، نساء ورجال، شيبًا وشبابًا، داخل الوطن وخارجه… كأننا أمام لحظة نادرة من الإجماع العاطفي، حيث تذوب الانتماءات الضيقة لصالح شعور واحد: الدفاع عن “الابن البار”.
لكن، في مقابل هذا الصوت الشعبي الجارف، يخيّم صمت ثقيل من الجهات التي يُفترض فيها أن تؤطر، أن تفسر، أن تدافع. صمت لا يمكن قراءته فقط كحياد، بل كنوع من الانسحاب الرمزي من معركة الكرامة. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: حين يصبح الشعب أكثر وفاءً من مؤسساته، وأكثر شجاعة من نخبه.
إن قضية زياش، في عمقها، ليست مجرد دفاع عن لاعب موهوب أو رد اعتبار لشخصية عامة، بل هي تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بعلاقة الدولة برأسمالها الرمزي. فالدول الحديثة لا تُبنى فقط بالمشاريع والبنيات التحتية، بل أيضًا – وربما أساسًا – برعاية رموزها، بحماية صورتهم، وبالاعتراف بما يمثلونه من قوة ناعمة.
لقد شكّل كأس العالم 2022 لحظة فارقة في إعادة تعريف صورة المغرب عالميًا، وكان زياش أحد أبرز مهندسي تلك اللحظة. لم يكن مجرد لاعب، بل كان حاملًا لراية، وناطقًا بلغة الانتماء، ومجسدًا لحلم جماعي. فكيف يتحول هذا الرمز، في ظرف وجيز، إلى هدف للاستهداف دون أن يتحرك شيء في العمق الرسمي؟
الأخطر من ذلك، أن هذا الصمت يرسل رسائل سلبية إلى كل الكفاءات المغربية، داخل الوطن وخارجه: مفادها أن التفوق لا يضمن الحماية، وأن العطاء لا يقابله دائمًا الاعتراف، وأن الوطنية قد تُترك وحيدة في مواجهة حملات التشويه.
هنا، يصبح الدفاع الشعبي عن زياش فعلًا يتجاوز الشخص إلى المبدأ. إنه دفاع عن فكرة المغرب الذي نريده: مغرب يعترف بأبنائه، يحمي رموزه، ويقف إلى جانبهم في لحظات الاستهداف. مغرب لا يترك فراغًا تملؤه الإشاعات، ولا يفسح المجال لخطابات النيل من كرامة من رفعوا اسمه عاليًا.
إن النخب، في هذا السياق، مدعوة إلى مراجعة أدوارها. فالصمت ليس دائمًا حكمة، وقد يكون – في كثير من الأحيان – شكلًا من أشكال العجز أو التواطؤ. والمثقف، إذا لم ينحز في لحظات الاختبار إلى القيم الكبرى، يفقد مبرر وجوده الرمزي.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بحكيم زياش وحده، بل بصورة وطن بأكمله في مرآة أبنائه. فإما أن نكون مجتمعًا يحمي رموزه ويعتز بها، أو نتحول إلى فضاء يستهلكها ثم يتركها لمصيرها.
وبين صمت الرسمي وضجيج الشعب، يظل السؤال معلقًا: من يمثل المغرب الحقيقي؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *