العودة القوية للداخلية… بين ضرورات الدولة ونسبية التدبير الحر: قراءة في تحولات العلاقة بين المركز والجماعات الترابية في ضوء دستور 2011 ورهانات الجهوية المتقدمة
يشكل النقاش الدائر اليوم حول ما يُوصف بـ“العودة القوية” لوزارة الداخلية محطة دالة في مسار التحول المؤسساتي الذي تعرفه الدولة المغربية منذ إقرار دستور 2011. فهذا النقاش لا يتعلق بمجرد إعادة بروز دور إداري، بل يرتبط بسؤال عميق حول طبيعة العلاقة بين المركز والجماعات الترابية، وحدود التدبير الحر، وإكراهات تنزيل الجهوية المتقدمة في سياق وطني وإقليمي متغير.
لقد جاء دستور 2011 ليؤسس لمرحلة جديدة في تنظيم السلطة الترابية، حين نص صراحة على مبدأ التدبير الحر باعتباره ركيزة من ركائز اللامركزية. هذا المبدأ منح الجماعات الترابية – جهات وعمالات وأقاليم وجماعات – صلاحيات تقريرية وتنفيذية واسعة، وجعل المنتخبين في صلب العملية التنموية. غير أن التنصيص الدستوري، مهما بلغت قوته الرمزية، لا يلغي منطق الدولة ولا يعطل حاجتها إلى الحفاظ على وحدة السياسات العمومية وتماسكها.
في هذا السياق، تبدو “العودة القوية” لوزارة الداخلية أقرب إلى إعادة تموقع وظيفي أكثر منها عودة إلى منطق الوصاية التقليدية. فالدولة، باعتبارها الضامن لوحدة التراب الوطني والسهر على تطبيق القانون، لا يمكن أن تتخلى عن أدوات الضبط والتنسيق، خاصة في ظل تعقيدات التدبير الترابي وتشابك الاختصاصات بين الفاعلين المحليين والمركزيين.
إن مبدأ التدبير الحر، كما ورد في الوثيقة الدستورية، ليس مفهوماً مطلقاً. فهو يمارس في إطار احترام القانون، وتحت رقابة مشروعية تمارسها السلطة المركزية عبر ممثليها الترابيين. وهذه الرقابة، وإن كانت قد تحررت شكلياً من مفهوم “الوصاية”، فإنها تظل آلية أساسية لضمان احترام قواعد الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
من الناحية العملية، كشفت السنوات الماضية أن عدداً من المجالس المنتخبة واجهت صعوبات حقيقية في تدبير الاختصاصات المنقولة إليها. فقد برزت اختلالات على مستوى إعداد البرامج التنموية، وضعف في الكفاءة التقنية، وتحديات مرتبطة بتدبير الصفقات والمالية المحلية. وفي مثل هذه السياقات، تميل الدولة إلى تعزيز حضورها لضمان استمرارية المرفق العام وحماية المال العام.
لا ينبغي قراءة هذا التعزيز للحضور المركزي بوصفه تراجعاً عن خيار اللامركزية، بل يمكن فهمه كتصحيح لمسار ما يزال في طور التشكل. فالجهوية المتقدمة ليست مجرد نقل للاختصاصات، بل هي بناء تدريجي لثقافة تدبيرية جديدة، تستند إلى النجاعة والشفافية والتخطيط الاستراتيجي.
كما أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، إلى جانب الرهانات الكبرى المرتبطة بالاستثمار والبنيات التحتية والتنمية المجالية، تفرض تنسيقاً محكماً بين مختلف مستويات القرار. فالمشاريع الكبرى لا تحتمل تضارب الرؤى أو بطء المساطر، ما يعزز الحاجة إلى قيادة مركزية قادرة على توجيه البوصلة وضبط الإيقاع.
إضافة إلى ذلك، فإن السياق الدولي والإقليمي، بما يحمله من تحديات أمنية واقتصادية، يفرض يقظة مؤسساتية دائمة. وهنا تتجلى أهمية الدور المحوري لوزارة الداخلية في ضمان الاستقرار المؤسساتي وتأمين شروط السير العادي للمؤسسات المنتخبة.
غير أن هذا الواقع لا يعفي الفاعلين المحليين من مسؤوليتهم في الارتقاء بأدائهم. فالتدبير الحر ليس امتيازاً سياسياً بقدر ما هو تكليف يقتضي كفاءة وقدرة على الابتكار واستحضار مصلحة المواطن. وإذا كان المركز يعزز حضوره، فإن ذلك يعكس في جزء منه حاجة إلى سد فراغات تدبيرية كان يفترض أن تملأها المجالس المنتخبة.
من زاوية العلوم السياسية، يمكن القول إن العلاقة بين المركز والجهات تخضع دوماً لمنطق التوازن الدينامي. فهي ليست علاقة ثابتة، بل تتأثر بسياقات سياسية واقتصادية واجتماعية. وعندما يميل الميزان نحو المركز، فذلك لا يعني بالضرورة نهاية اللامركزية، بل قد يكون تعبيراً عن مرحلة إعادة ضبط.
يبقى التحدي الأكبر هو ترسيخ ثقافة مؤسساتية قوامها التكامل لا التنازع. فنجاح الجهوية المتقدمة رهين بقدرة الجميع على استيعاب أن وحدة الدولة لا تتعارض مع استقلالية الجماعات، وأن الرقابة ليست نقيضاً للحرية، بل إطاراً ضامناً لها.
إن مستقبل العلاقة بين وزارة الداخلية والجماعات الترابية سيتحدد بمدى نجاح ورش الإصلاح الإداري، وتأهيل الموارد البشرية المحلية، وتعزيز الشفافية والمساءلة. فكلما تعززت كفاءة التدبير المحلي، تراجعت الحاجة إلى تدخل مركزي مكثف.
وفي الأخير، يمكن القول إن “العودة القوية” ليست بالضرورة ارتداداً إلى الوراء، بل قد تكون لحظة إعادة توازن داخل مسار إصلاحي طويل النفس. فالتدبير الحر سيظل مبدأً مؤطراً، لكنه سيبقى نسبياً، محكوماً باعتبارات الدولة ووحدتها، وبحاجة دائمة إلى ترشيد الممارسة وتعميق ثقافة المسؤولية.

