مختبر “القانون والحقوق” بالمحمدية يستضيف وسيط المملكة في لقاء علمي حول الوساطة المؤسساتية
احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية لقاءً علمياً مميزاً في إطار برنامج “حوار المؤسسات”، نظمه مختبر القانون والحقوق، واستضاف فيه الأستاذ حسن طارق، وسيط المملكة، لمناقشة موضوع: “الوساطة المؤسساتية: من الحماية إلى الحكامة”، وذلك بحضور ثلة من الأساتذة والباحثين وطلبة سلكي الماستر والدكتوراه.
افتتاح رسمي وترحيب أكاديمي
استُهلت فعاليات اللقاء بعزف النشيد الوطني، في أجواء أكاديمية تعكس رمزية المؤسسة الدستورية موضوع النقاش. وأعقب ذلك كلمات ترحيبية لكل من الأستاذ سعيد خمري الذي أعطى الكلمة للأستاذ شادي محمد، حيث رحب هذا الأخير بوسيط المملكة، مؤكداً أهمية هذا اللقاء في تعزيز انفتاح الجامعة على محيطها المؤسساتي، وإتاحة الفرصة للطلبة الباحثين للاحتكاك بتجارب دستورية ومؤسساتية رائدة.
كما تناول الكلمة السيد يوسف جمال، نائب العميد المكلف بالبحث العلمي، مشيداً بأهمية موضوع الوساطة المؤسساتية، وداعياً الطلبة إلى التفاعل الإيجابي مع مضامين العرض والاستفادة من الخبرة العملية التي راكمتها المؤسسة.
وفي كلمة باسم مختبر القانون والحقوق، جدد الأستاذ سعيد خمري ترحيبه بضيف الكلية، معتبراً أن هذا اللقاء يشكل مناسبة علمية ثمينة، خاصة وأن عدداً من الوحدات الدراسية بسلك الماستر تتناول مؤسسة الوسيط ضمن محاور الحكامة وهيئات حماية الحقوق.
الوساطة المؤسساتية في سياقها التاريخي والدستوري
تولى الأستاذ عمر الشرقاوي تسيير أشغال هذا اللقاء، حيث قدم تأطيراً أولياً أبرز فيه مكانة مؤسسة الوسيط داخل المنظومة الدستورية الوطنية، قبل أن يفسح المجال للأستاذ حسن طارق لإلقاء مداخلته.
وفي مستهل كلمته، عبر وسيط المملكة عن سعادته بالحضور إلى الكلية، موجهاً الشكر للأستاذ عمر الشرقاوي على حسن التقديم، ومشيراً إلى أن هذا اللقاء يعد الثاني من نوعه بين المؤسسة وطلبة الماستر، بعد لقاء أول احتضنته المؤسسة نفسها. كما نوه بانفتاح الجامعة على المؤسسات الدستورية، وبالانفتاح المتبادل الذي يكرس جسور التعاون بين الفضاء الأكاديمي والمؤسسات العمومية.
وصادف هذا اللقاء، بحسب المتدخل، انطلاق قافلة للتعريف بالوساطة المؤسساتية، في خطوة تروم تعزيز الثقافة الحقوقية والمؤسساتية لدى المواطنين والطلبة على حد سواء.
واستحضر الأستاذ حسن طارق الامتدادات التاريخية لفكرة الوساطة في المغرب، مذكراً بأن تقليد “ديوان المظالم” شكل أحد تجليات العدالة التاريخية بالمملكة، وهو تقليد عريق تعاقبت عليه دول المرابطين والوطاسيين وصولاً إلى الدولة العلوية. وبعد الاستقلال، أحدثت آليات لتلقي الشكايات، من بينها مكتب الأبحاث والشكايات، واستمرت الدينامية خلال عهد الملك الراحل الحسن الثاني.
غير أن التحول النوعي، يضيف المتحدث، تجسد في عهد محمد السادس، حيث تم إحداث ديوان المظالم وتعزيز أدواره في حماية المرتفقين، قبل أن تعرف المؤسسة منعطفاً دستورياً مع دستور 2011، الذي أرسى مكانة مؤسسة وسيط المملكة كمؤسسة دستورية مستقلة، مع تطوير اختصاصاتها وترقية بنياتها.
من الحماية إلى تكريس الحكامة
قدم وسيط المملكة عرضاً منهجياً وتراكمياً حول تطور المؤسسات ذات الصلة بالمواطن، مميزاً بين هيئات حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وبين هيئات الحكامة كـ مجلس المنافسة، فضلاً عن هيئات الحكامة التشاركية المرتبطة بقضايا الطفولة والشباب والعمل الجمعوي.
وأوضح أن مؤسسة وسيط المملكة، باعتبارها مؤسسة متخصصة ومستقلة، تضطلع بمهمتين أساسيتين:
أولاهما، الحماية، من خلال تلقي الشكايات والتظلمات الفردية المرتبطة بحالات خرق القانون أو التعسف الإداري، ومعالجة التجارب الفردية للمواطنين مع الإدارة.
وثانيتهما، تكريس الحكامة الجيدة، عبر الإسهام في نشر قيم التخليق والنزاهة، وتعزيز الثقة في المرفق العمومي.
وفي هذا السياق، أبرز المتدخل خصوصية مؤسسة الوسيط مقارنة بالقضاء الإداري؛ فبينما يستند القاضي إلى منطق المشروعية القانونية الصرفة، ينظر الوسيط أيضاً في البعد الإنساني والأخلاقي والمعنوي للطلب، مستحضراً أن القانون يسعى دوماً إلى الاقتراب من العدالة، وأن الوساطة تمثل جسراً بين النص وروح الإنصاف.
وأشار إلى أن المؤسسة تتوفر على آليات متعددة للبث في التظلمات، من بينها التسوية الودية، والتحريات، وآلية “المخاطب الدائم” داخل الإدارات، فضلاً عن إمكانية المبادرة التلقائية لمعالجة حالات الخرق أو التعسف دون انتظار تقديم شكاية. كما أن لتدبير الشكايات مخرجات متعددة، تتراوح بين التوصيات والإحالات واقتراح الإصلاحات.
نقاش تفاعلي وزيارة ميدانية
اختُتم اللقاء بفتح باب النقاش أمام الطلبة والحضور، حيث طُرحت أسئلة عكست وعياً متزايداً بأدوار مؤسسات الحكامة، وتفاعلاً إيجابياً مع مضامين العرض. وقد شكل هذا النقاش مناسبة لتعميق الفهم بوظائف الوساطة المؤسساتية وتحدياتها العملية.
وفي ختام النشاط، قام الحاضرون بزيارة رواق مؤسسة وسيط المملكة، حيث اطلعوا على منشوراتها وآليات عملها، في خطوة تجسد البعد التواصلي للمؤسسة وسعيها إلى تعزيز ثقافة التظلم والإنصاف.
وبذلك يكون هذا اللقاء قد جسد نموذجاً ناجحاً للتفاعل بين الجامعة والمؤسسات الدستورية، ورسخ أهمية الوساطة المؤسساتية كآلية لحماية الحقوق وتكريس الحكامة الجيدة في دولة الحق والقانون.


