مدونة سلوك سياسي… ضرورة أخلاقية أم شرط لبقاء الدولة؟
في لحظة إقليمية ودولية تتسم بتصاعد الاستقطاب، وتآكل الثقة بالمؤسسات، وتنامي خطاب الكراهية عبر المنصات الرقمية، يصبح السؤال عن أخلاقيات التنافس السياسي سؤالاً وجودياً لا ترفاً فكرياً. فالتعددية الحزبية، في جوهرها، ليست ساحة صراع صفري، بل إطار تنافس منضبط تحكمه قواعد متفق عليها، تضمن تداول السلطة وتحمي السلم الأهلي.
غير أن المشهد في كثير من الدول النامية – بل وحتى في بعض الديمقراطيات الراسخة – يكشف عن خلل عميق: حملات انتخابية تقوم على التشويه، وخطاب تعبوي يستدعي الانقسام الهوياتي، واستغلال للشباب كوقود صراعات لا تعكس تطلعاتهم. هنا تبرز الحاجة إلى “مدونة سلوك واحترام متبادل” بين الأحزاب، لا باعتبارها وثيقة تجميلية، بل عقداً أخلاقياً وسياسياً يحمي التنافس من التحول إلى خصومة وجودية.
●التنافس أم التخوين؟
في النظم الديمقراطية المستقرة، مثل ألمانيا أو كندا، يحتدم الجدل السياسي، لكن ضمن سقف الاعتراف بشرعية الخصم. أما حين يتحول المنافس إلى “خطر وطني” لمجرد اختلافه في الرؤية، فإننا نغادر مربع السياسة إلى مربع الصراع.
أليس من المشروع أن يختلف الحزبان حول السياسات الاقتصادية أو الاجتماعية؟
لكن هل من المشروع أن يُشكك أحدهما في وطنية الآخر بلا دليل؟
وأين تقف حرية التعبير حين تتحول إلى منصة للتحريض والتضليل؟
إن غياب قواعد سلوك واضحة يُغري الأطراف بتجاوز الخطوط الحمراء، خصوصاً في مواسم الانتخابات، حيث ترتفع الرهانات وتنخفض أحياناً المعايير.
●الشباب بين المثال والخيبة
بوصفي باحثاً في قضايا الشباب، ألاحظ أن الفئة الأكثر تأثراً بخطاب الكراهية السياسي هي الفئة التي يُفترض أن تكون الأكثر حماسة للمشاركة العامة. حين يرى الشاب أن السياسة مرادف للاتهام والتجريح، فهل سيؤمن بالعمل الحزبي؟ أم سينسحب إلى هامش اللامبالاة أو إلى فضاءات التطرف؟
كيف نقنع الأجيال الجديدة بأن الديمقراطية أداة بناء، إذا كانت ممارساتنا تقدمها بوصفها ساحة تصفية حسابات؟
وهل نملك ترف خسارة ثقة الشباب في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية؟
●نحو مدونة سلوك ملزمة
مدونة السلوك المنشودة يجب أن تقوم على مرتكزات واضحة:
الاعتراف بشرعية المنافس واحترام نتائج الصندوق.
الامتناع عن خطاب الكراهية والتحريض على أساس ديني أو عرقي أو جهوي.
الفصل بين النقد الموضوعي والتشهير الشخصي.
الشفافية في التمويل والحملات الإعلامية.
إلزامية آليات التحكيم الحزبي والمؤسسي في حال النزاعات.
غير أن السؤال الجوهري:
هل تكفي المدونات إن لم تتوافر إرادة سياسية حقيقية لاحترامها؟
ومن يراقب الالتزام بها؟ المجتمع المدني؟ الهيئات المستقلة؟ أم وعي الناخب نفسه؟
●السياسة كمسؤولية أخلاقية
لقد أثبتت تجارب عدة أن الديمقراطية لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجياً حين تتراجع المعايير الأخلاقية ويُستبدل الحوار بالتخوين. التنافس السياسي الناضج لا يلغي الحدة، لكنه يضبطها. ولا يمنع النقد، لكنه يهذّبه.
إننا بحاجة إلى إعادة تعريف القوة في السياسة:
أهي القدرة على إسكات الخصم؟
أم القدرة على إقناعه وإقناع الجمهور دون كسر قواعد اللعبة؟
مدونة السلوك ليست وثيقة مثالية، بل صمام أمان. إنها رسالة إلى الداخل بأن الخلاف لا يعني العداء، وإلى الخارج بأن نضج التجربة السياسية يقاس بقدرتها على إدارة التنوع لا قمعه.
ويبقى السؤال الأخير:
هل نمتلك شجاعة الاتفاق على قواعد تحمينا من أنفسنا، قبل أن تفرض علينا الأزمات قواعدها القاسية؟

