حين يكتشف أخنوش حدود اللعبة: من وهم التمكين إلى منطق الإبعاد
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع
لم يكن عزيز أخنوش، وهو يحرص بإلحاح على إبراز ما يسميه “الإجماع التنظيمي” داخل حزبه، يفعل ذلك بدافع القوة فقط، بل بدافع القلق السياسي العميق. قلق رجل أدرك، متأخرًا، أن السياسة في المغرب لا تُدار بمنطق الأرقام الداخلية، ولا تُحسم بلغة المؤتمرات المصورة والانضباط الحزبي المعلن، بل تُدار بمنطق أكثر تعقيدًا: منطق التوازنات غير المرئية، والحدود التي يرسمها المخزن، وهوامش الحركة المسموح بها داخل الحقل السياسي.
لقد حاول أخنوش أن يحوّل الإجماع الحزبي إلى ورقة ضغط، وأن يقدّم نفسه باعتباره “الخيار الوحيد الممكن”، وأن أي التفاف حوله هو ضمانة للاستقرار واستمرار الدولة في منسوبها العادي. لكن هذه الرسالة، بدل أن تعزز موقعه، كشفت عن ارتباك سياسي واضح، وعن سوء تقدير لطبيعة السلطة الحقيقية في البلاد. فالمخزن لا يُضغط عليه، ولا يُبتز بالتنظيم، ولا يطمئن للسياسي الذي يخلط بين الشرعية الحزبية والقدرة على فرض الأمر الواقع.
بل أكثر من ذلك، فإن الإفراط في استعراض القوة التنظيمية كثيرًا ما يُقرأ، في منطق الدولة العميقة، كعلامة ضعف لا كدليل ثبات. فهل كان أخنوش واعيًا بأن الإجماع حين يُصنع بعناية، قد يتحول من رصيد إلى عبء؟ وهل انتبه إلى أن المخزن لا يحب السياسي الذي يرفع سقف طموحه أكثر مما ينبغي، أو الذي يوحي – ولو ضمنيًا – بأنه بات “ضرورة” لا يمكن تجاوزها؟
في المقابل، يبدو أن المخزن نفسه أعاد تقييم تجربة الرهان على أخنوش. الرجل الذي قُدّم في لحظة ما كوجه للتكنوقراط السياسي، وكحل وسط بين منطق المال ومنطق السلطة، لم يحقق ما كان يُنتظر منه. الكلفة كانت باهظة: سخط اجتماعي غير مسبوق، احتقان صامت لكنه واسع، تآكل خطير في الثقة بالعمل الحزبي، وشعور عام بأن السياسة لم تعد سوى واجهة لتدبير المصالح، لا أداة لتحقيق العدالة أو التوازن الاجتماعي.
لقد كان الاستثمار في أخنوش استثمارًا ثقيلًا من كل الزوايا: تمهيد الطريق الانتخابي، تحييد الخصوم، توفير هوامش حركة استثنائية، وتغاضٍ واضح عن تضارب المصالح. لكن النتائج جاءت دون التوقعات، بل وأحيانًا معاكسة تمامًا. فبدل أن يكون عنوانًا للنجاعة والاستقرار، صار اسمه مرتبطًا بغلاء المعيشة، وبخطاب سياسي بارد، وبعجز فاضح عن التواصل مع الشارع، وبانفصال شبه كامل عن معاناة الفئات المتوسطة والهشة.
هنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل أخفق أخنوش لأنه لم يمتلك الأدوات السياسية الكافية؟ أم لأنه لم يفهم طبيعة المجتمع المغربي وتعقيداته؟ أم لأن نموذج “رجل الأعمال المنقذ” كان منذ البداية نموذجًا مفلسًا سياسيًا؟ ثم هل يمكن لسياسي، مهما بلغت قوته المالية والتنظيمية، أن يستمر إذا تحوّل إلى عبء اجتماعي ورمزي؟
أخنوش كان يأمل، بل كان يراهن بشدة، على رئاسة الحكومة المقبلة. لم يكن ذلك مجرد طموح مشروع، بل قناعة راسخة بأن ولايته الأولى ليست سوى محطة عبور نحو تثبيت دائم في قمة السلطة التنفيذية. لكنه نسي، أو تجاهل، أن السياسة لا تكافئ من يسيء قراءة السياق، ولا ترحم من يخلط بين النفوذ الاقتصادي والشرعية الشعبية، ولا تسامح من يعتقد أن الصمت الاجتماعي رضى، وأن الاحتقان المؤجل قبول.
وهنا بالضبط اكتشف أخنوش أن تحدي المخزن لعبة خاسرة. ليس لأن المخزن معصوم من الخطأ، بل لأنه لا يسمح بأن يُحرج أو يُحاصر أو يُدفع إلى خيارات لا يقتنع بها. فالسياسي، في هذه المعادلة، مدعو دائمًا إلى معرفة حجمه الحقيقي، وإلى إدراك أن القوة الممنوحة له مؤقتة، وأن الثقة، حين تتحول إلى عبء، تُسحب بلا ضجيج.
إن نهاية الرهان على أخنوش، إن صحّت هذه القراءة، لا تعني نهاية رجل سياسي فقط، بل تعني فشل نموذج كامل: نموذج رجل الأعمال الذي توهم أن إدارة الدولة تشبه إدارة شركة، وأن المجتمع يُدار بمنطق الأرباح والخسائر، لا بمنطق العدالة والكرامة والرمزية السياسية. فهل يمكن للدولة أن تُدار دون حس اجتماعي؟ وهل يمكن للسياسة أن تستقيم حين تُفرغ من بعدها الأخلاقي والتمثيلي؟
في النهاية، ما جرى – أو ما يجري – ليس سقوط شخص بقدر ما هو تصحيح مسار. درس قاسٍ لكل من يعتقد أن الإجماع المصنوع يمكن أن يعوّض الشرعية الحقيقية، وأن القرب من السلطة يُغني عن فهمها، وأن الصمت الشعبي تفويض دائم. ففي المغرب، كما في كل الأنظمة المركبة، من لا يحسن قراءة قواعد اللعبة، يُقصى منها بهدوء… ودون حاجة إلى ضجيج.

