قصر بوسكورة لو كان شبيه بالبيت الأبيض بدل الكرملين… هل كان الهدم سيحدث؟ الدولة العميقة تحصر النفوذ والعلاقات وتقرر المصير.

قصر بوسكورة لو كان شبيه بالبيت الأبيض بدل الكرملين… هل كان الهدم سيحدث؟ الدولة العميقة تحصر النفوذ والعلاقات وتقرر المصير.

احمد عاشور

يستمر الجدل حول هدم قصر بوسكورة، المعروف بين السكان باسم “قصر الكرملين”، وهو مشروع ضخم أثار نقاشا، يتجاوز الحديث عن مجرد مخالفة قوانين البناء.

فالقصة، كما تظهر من تسلسل الأحداث والتقديرات المتداولة، ليست قصة إسمنت وجدران، بل قصة توازنات دقيقة بين النفوذ، والاستثمار، وصورة الدولة العميقة.

من بين الأسباب التي يرددها كثيرون أن صاحب المشروع كان يتمتع بعلاقات واسعة مع أمراء خليجيين وشخصيات نافذة في بعض دول الشرق الأوسط، مثل هذه العلاقات، التي كان يفترض أن تعد مكسبا استثماريا، تحولت في نظر البعض إلى مصدر إزعاج، لأن الدولة العميقة لا تحبذ أن يمتلك فاعل خاص شبكة نفوذ دولية موازية لتلك التي تحتفظ بها لنفسها بشكل حصري، فالعلاقات العليا، وفق منطق الدولة العميقة، يجب أن تمر عبرها لا عبر مستثمرين مستقلين مهما كانت قدراتهم.

إضافة إلى ذلك، فإن تشييد مشروع فخم بهذا الحجم وسط منطقة تفتقر لأبسط مقومات البنية التحتية يضع الدولة العميقة في موقف محرج، فمن غير المعقول أن يقف قصر عالمي محاطا بطرق متهالكة، وصرف صحي ضعيف، ومحيط غير مؤهل لاستقبال ضيوف كبار، وبالمنطق نفسه، كان من الصعب على الدولة العميقة أن تشرع في تطوير المنطقة لإرضاء مشروع خاص، لأن ذلك سيبدو وكأنه خدمة مجانية موجهة لمستثمر واحد، وقد يثير بدوره أسئلة أكبر.

ويطرح كثيرون سؤالا بديهيا، ماذا لو كان هذا القصر سمي بالبيت الأبيض بدل الكرملين؟ هل كانت الجرافات ستتهافت على هدمه بنفس السرعة؟ أم أن المشهد كان سيبدو رمزيا ومشرفا، يحتفى به ويستثمر المحيط لتطويره؟ من الواضح أن التسمية الرمزية لعبت دورها في تحديد مصير المشروع، وربما أثارت حساسية النفوذ المتحكم في المشهد.

ولأن القصر كان مهيأ لاستقبال شخصيات عالمية، ويرجح أنه كان سيصبح منافسا لمشاريع كبرى في البلاد، مثل الأبراج السياحية والفنادق المصنفة، بدا وكأنه يدخل منطقة اقتصادية وسياسية حساسة لا يسمح للجميع بالاقتراب منها، فليس كل مستثمر مسموحا له بأن ينافس في أعلى درجات الرفاه السياحي، حيث تتحكم مصالح كبرى وأطراف أقوى ضمن هندسة تخضع لميزان الدولة العميقة.

أما التبرير الرسمي للهدم، القائم على عدم احترام قوانين البناء أو البناء فوق أرض فلاحية، فيصعب تقبله بالنسبة للشارع، لأن المواطنين يشاهدون يوميا مخالفات واضحة لا تهدم ولا تلامس، ففي حي القدس بوجدة مثلا، بني سوق ممتاز فوق الواد ولم يهدم، كما أن العديد من البنايات ارتفع علوها دون ترخيص وتم التغاضي عنها، وفي مدينة بركان ايضا، أزيلت ضيعات فلاحية كاملة وبنيت مكانها تجزئات سكنية دون أن تسجل نفس الصرامة والأمثلة كثيرة، وهي تطرح سؤالا واضحا حول الانتقائية في تطبيق القانون، وكيف يصبح صارما جدا مع مشاريع معينة… ولينا جدا مع أخرى.

في النهاية، يظهر أن ملف قصر بوسكورة لم يكن مجرد ورش مخالف، بل كان يلامس قضايا أكبر تتعلق بالنفوذ، والتوازنات، وصورة الدولة العميقة، ومن يحق له أن يسلك أبواب الاستثمار الراقي، ومن يمنع من ذلك، ويبقى السؤال مفتوحا، هل كان الهدم مسألة قانون؟ أم مسألة نفوذ أكبر من أن يسمح له بالتمدد، وهل كان مجرد تغيير في التسمية كفيلا بتغيير المصير؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *