رحلة في تاريخ الأحزاب السياسية المغربية… من النشأة إلى اليوم
إن الحديث عن الأحزاب السياسية في المغرب هو استدعاء لتاريخ طويل من النضال، التحولات، الصراعات، والرهانات الكبرى التي طبعت الحياة السياسية منذ الاستقلال إلى يومنا هذا. فمنذ اللحظات الأولى لتحرر الوطن من الاستعمار، برزت الأحزاب كفاعل أساسي في بناء الدولة، وصياغة الوعي السياسي، وتأطير المواطنين، لكن هذه المسيرة لم تكن مستقيمة، بل شابها مدّ وجزر، صعود ونكوص، وثقة أحياناً، وخيبات كثيرة أحياناً أخرى.
قبل الاستقلال، ظهرت أولى ملامح العمل الحزبي في المغرب من خلال الحركة الوطنية، وعلى رأسها حزب الاستقلال الذي تأسس سنة 1944، كواجهة نضالية ضد الاستعمار الفرنسي، ومطالب بإعادة السيادة للملك والشعب. انبثق الحزب من رحم المقاومة، وكان له دور كبير في التحركات الشعبية والمفاوضات التي سبقت إعلان الاستقلال سنة 1956.
بعد الاستقلال، دخل المغرب مرحلة جديدة، حيث تحولت الأحزاب من حركات تحرر إلى كيانات تنافسية داخل النظام السياسي الجديد، مطالبة بمزيد من الديمقراطية وفصل السلط، وهو ما فتح الباب أمام صراع مبكر بين السلطة المركزية والأحزاب الطموحة، وعلى رأسها حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية (لاحقًا الاتحاد الاشتراكي).
شهدت الستينات والسبعينات ما يمكن تسميته بـمرحلة الترويض السياسي، حيث دخلت الأحزاب في صراعات مباشرة أو ضمنية مع النظام، خاصة بعد دستور 1962. وقد شهدت هذه الفترة أحداثًا كبرى مثل انتفاضات 1965، ومحاكمات سياسية، بل وحتى محاولات انقلاب، أدت إلى تقوية هيمنة القصر مقابل تراجع دور الأحزاب التي أصبحت تُتهم أحياناً بالمهادنة وأحياناً بالتشدد.
في هذه الفترة، تم خلق عدد من الأحزاب الإدارية لتوازن النفوذ، مثل الحركة الشعبية، ثم لاحقًا التجمع الوطني للأحرار، بهدف كسر هيمنة اليسار على المشهد، وهو ما أنتج تعددية شكلية، كثيرًا ما وُصفت بأنها مُفرغة من مضمونها التعددي الحقيقي.
مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، بدأ المغرب يدخل مرحلة الانفراج السياسي، خاصة بعد الخطاب الملكي التاريخي سنة 1994، والدعوة إلى المصالحة السياسية. فجاءت الانتخابات التشريعية لسنة 1997 كتجربة جديدة، تميزت بصعود الإسلاميين، وتكوين أول حكومة “تناوب” سنة 1998 بقيادة عبد الرحمان اليوسفي، في سابقة تاريخية جمعت بين المعارضة والنظام.
بداية من 2002، بدأ حزب العدالة والتنمية يشق طريقه داخل الحقل السياسي، محافظًا على خطاب معتدل، ومتخذاً من النجاعة ومكافحة الفساد محوراً له. وبعد حراك 20 فبراير، أفرزت انتخابات 2011 صعود الإسلاميين إلى قيادة الحكومة في شخص عبد الإله بنكيران، ما شكّل تحوّلاً نوعياً في المشهد السياسي.
لكن سرعان ما اصطدمت تجربة الإسلاميين بعقبات كبرى، سواء من الداخل السياسي أو من معادلات التدبير، فتمت إزاحة بنكيران بعد انتخابات 2016، وشهدت البلاد ما أُطلق عليه “البلوكاج الحكومي”، الذي كشف عن محدودية القرار السياسي الحزبي أمام منطق الدولة العميقة.
في السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من استمرار الحياة الحزبية، إلا أن أزمة الثقة أصبحت عنوان المرحلة. عزوف انتخابي، ضعف التأطير، تراجع الخطاب الإيديولوجي، وتحول الأحزاب إلى آلات انتخابية بلا روح، كل ذلك أفرز مشهداً سياسياً باهتاً.
أما الانتخابات التشريعية لسنة 2021، فقد حملت مفاجآت مدوية، بإسقاط مدوٍ للعدالة والتنمية وصعود التجمع الوطني للأحرار بقيادة عزيز أخنوش، ما طرح تساؤلات كثيرة حول دور المال، الإعلام، وشبكات النفوذ في العملية الانتخابية.
إلى أين؟
اليوم، تقف الأحزاب السياسية المغربية على مفترق طرق حقيقي. فإما أن تعيد بناء نفسها على أسس جديدة: الديمقراطية الداخلية، الكفاءة، القرب من المواطن، والجرأة في المواقف… أو تستمر في تقهقرها، فاتحة الباب لمزيد من العزوف الشعبي، وسيطرة التكنوقراط أو شبكات المصالح.
فالمغرب، بتاريخه العريق، لا تنقصه الأدمغة، ولا الكفاءات، بل تنقصه الأحزاب التي تؤمن بأن السياسة ليست صفقة، بل خدمة عمومية وموقف تاريخي.

