من الجامعة إلى السوق… حين تُقايَض المعرفة بثمن!
كأننا نعيش في زمنٍ لم تَعُد فيه المعرفة حقًا، بل امتيازًا يُشترى. لم تَعُد أبواب الجامعة مفتوحة للجميع، بل أصبحت تُقفل بالتدريج في وجوه من لا يحملون أثمان الرسوم الجديدة التي زُرعت فجأة تحت غطاء “التوقيت الميسّر”. في صمتٍ مريب، تتحول الجامعة المغربية من صرحٍ للتنوير إلى بوابة تجارية، لا يَعبرها إلا من استطاع إلى المال سبيلا.
في سابقة من نوعها، أعلن مجلس تدبير جامعة ابن زهر بأكادير، يوم 11 غشت الماضي، عن فرض رسوم دراسية إضافية: 6000 درهم للإجازة، و15000 درهم للماستر، و10000 درهم للدكتوراه. قرار وُصف بالصدمة، لا سيما أنه طال فئات كانت تؤمن أن التعليم العالي آخر القلاع المجانية في هذا الوطن.
لم تكن جامعة ابن زهر وحدها. فعدوى الرسوم امتدت إلى جامعات أخرى، أبرزها جامعة محمد الخامس بالرباط، في مشهدٍ يثير مخاوف من انسياقٍ ممنهج نحو خوصصة صريحة للتعليم، وخلق طبقية جامعية تميز بين من يملك ومن لا يملك، لا بين من يجتهد ومن لا يجتهد.
الخطير في هذه القرارات أنها جاءت مرفوقة بتسويغات مغلفة بالواقعية الإدارية: “تسهيل الدراسة للموظفين”، “توفير موارد إضافية”، و”تحسين الجودة”… لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن التعليم العمومي المغربي بدأ يلبس عباءة السوق، ويفتح مزاده لمن يدفع أكثر.
النائبة البرلمانية فاطمة التامني، التي انتصرت لهذا النقاش الحساس، وجّهت سؤالًا لوزير التعليم العالي عز الدين ميداوي، محذّرة من “العبث بمبدأ المجانية”، ومن تداعيات تحويل الجامعة إلى فضاء للتمييز الاقتصادي، بدل أن تكون أرضًا خصبة لتكافؤ الفرص والعدالة المعرفية.
فما الذي تبقّى من مجانية التعليم؟ وما مصير آلاف الطلبة الذين بالكاد يملكون ما يسد رمقهم؟ ألن تتحول الجامعات إلى “جزر” للنخبة الميسورة، ويُقصى منها أبناء الفقراء بحجة “التوقيت” و”المرونة” و”الرسوم التنظيمية”؟
إننا لسنا أمام مجرد قرار إداري، بل أمام منعطف تاريخي حاد يهدد مفهوم التعليم العمومي برمّته. وإذا لم يكن هناك تدخل حكومي حاسم يعيد التوازن لهذا المسار، فإن الجامعة المغربية قد تُدرج في خانة المؤسسات الربحية، بدل أن تظل كما خُلقت: قاطرة للتغيير، وبوابة للعدالة الاجتماعية.

