الفنيدق بين الحاجة إلى التكوين وبناء اقتصاد منتج يحفظ السلم الاجتماعي
في ظل الوضعية الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تمر منها مدينة الفنيدق، لم يعد من المجدي الاكتفاء بالحلول الترقيعية أو الوعود الموسمية. فالمدينة التي تحمل في ذاكرتها إرثًا تجاريًا ومعبرًا حدوديًا لطالما شكّل رئة اقتصادية لآلاف الأسر، أصبحت اليوم في حاجة إلى رؤية استراتيجية حقيقية، تُخرجها من دائرة الانتظار إلى فضاء الفعل والعمل والإنتاج.
ومن هذا المنطلق، فإن تخصيص ميزانية إنعاش اقتصادي خاصة بالفنيدق أصبح أولوية مستعجلة، لا فقط لدعم المشاريع الصغيرة، بل أيضًا لجلب خبراء في التكوين المهني، الصناعي، والتكنولوجي، من أجل إعداد أجيال جديدة تمتلك المهارات والمعارف التي يتطلبها سوق الشغل الوطني والدولي.
وفي هذا الإطار، يمكن إعادة فتح معامل حيضرة، التي لم يُكتب لها النجاح في الماضي، وتحويلها إلى مراكز تكوين حديثة بمقاييس متقدمة، في مجالات الصناعة، الحرف، الرقمنة، والصيانة، لتكون خزانا للطاقات المحلية، وفرصة حقيقية للشباب والشابات لتعلم مهن المستقبل.
شباب الفنيدق لا يحتاجون فقط إلى المساعدات العابرة، بل إلى مشاريع تُعطيهم أدوات الصيد لا السمك، في فلسفة تنموية قائمة على مبدأ “لا تعطيني سمكة بل علمني كيف أصطادها”، وهو الشعار الذي يجب أن يقود كل المبادرات التنموية بالمنطقة.
إضافة إلى ذلك، يجب فتح المجال أمام استقطاب مستثمرين حقيقيين ، يملكون رأس مال مادي ومعرفي، ويؤمنون بفرص النمو المتاحة في المدينة، من خلال إقامة معامل إنتاجية في ميادين متنوعة: الصناعة الغذائية، النسيج، التحويلات الفلاحية، الخدمات الرقمية، واللوجستيك. بشرط أن تكون العلاقة قائمة على مبدأ رابح – رابح، يحترم كرامة اليد العاملة ويضمن لها الاستقرار والدخل العادل.
ولن تكون هذه الرؤية قابلة للتحقيق دون تعبئة جماعية تشمل الدولة، الجماعات الترابية، المجتمع المدني، والقطاع الخاص، في تنسيق محكم يسعى إلى إعادة الاعتبار لمدينة الفنيدق، وتقديمها كأنموذج لنهضة محلية تنطلق من التكوين نحو الإنتاج، ومن الاستقرار نحو الإبداع.
وختامًا، فإن من يبني الإنسان في الفنيدق، يبني حصنًا ضد الفقر والهجرة واليأس. وإن من يستثمر في شبابها اليوم، يحفظ أمنها وسِلمها غدًا.

