خطاب العرش المجيد يؤسس لمرحلة جديدة قوامها العدالة المجالية والاستثمار في الإنسان..

خطاب العرش المجيد يؤسس لمرحلة جديدة قوامها العدالة المجالية والاستثمار في الإنسان..
الفنيدق: عمر اياسينن

في كل سنة، يترقب المغاربة خطاب العرش، ليس فقط لما يحمله من رسائل سياسية، بل لأنه يشكل لحظة وطنية لتقييم المنجزات واستشراف التحديات المستقبلية. خطاب هذا العام لم يشذّ عن القاعدة، بل تجاوزها برسائل عميقة وواقعية، تؤسس لمرحلة جديدة في مسار بناء الدولة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.

جلالة الملك محمد السادس، وهو يحيي الذكرى الخامسة والعشرين لاعتلائه العرش، وضع في صلب خطابه محورًا جوهريًا يتمثل في العدالة المجالية والاستثمار في الإنسان، كشرطين أساسيين لتكريس نموذج تنموي ناجح، ومغرب منصف لا يترك أحداً خلفه.

لقد هيمن الطابع الاقتصادي والاجتماعي على فقرات الخطاب، في اعتراف ضمني بأن الإصلاح لا يكتمل إلا إذا لمس المواطن أثره في حياته اليومية. التنمية التي لا تشمل جميع الجهات، والتي لا تحسن واقع المواطن البسيط، تظل تنمية منقوصة. وهنا تأتي الدعوة الصريحة إلى إعادة التوازن بين ما تحقق على مستوى الدولة، وبين ما ينتظره المواطن من عدالة في توزيع الثروات، والفرص، والخدمات.

الخطاب أكد أيضًا أن التحدي لم يعد في مجرد إنجاز البنية التحتية أو تحقيق الأرقام، بل في جعل الإنسان في قلب السياسات العمومية: بالتشغيل، بالرعاية الصحية، بجودة التعليم، وبضمان الكرامة الاجتماعية. وهذا التوجه يمثل تحولا استراتيجيا يستدعي تعبئة وطنية شاملة.

أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فقد جاء الخطاب ليعيد التأكيد على الثوابت الوطنية، وخصوصًا قضية الصحراء المغربية، التي تمثل جوهر السيادة ووحدة التراب. لكن ما ميز الخطاب هو تلك الدعوة الرصينة إلى تسوية النزاع بمنطق يتجاوز منطق الغلبة، ويفتح المجال لحل سياسي واقعي، دائم، ومنصف.

وفي بُعد إنساني وأخوي راقٍ، وجّه الملك مرة أخرى رسالة واضحة إلى الشعب الجزائري الشقيق، داعياً إلى طيّ صفحات التوتر، وفتح صفحة جديدة أساسها الاحترام المتبادل والحوار البناء. إنها دعوة لليقظة الجماعية في منطقة تواجه تحديات مشتركة، أمنية واقتصادية واجتماعية، لن تُحل إلا بتعاون وتضامن صادق.

خلاصة القول، إن خطاب العرش لهذه السنة جاء ليؤكد أن المغرب مقبل على لحظة مفصلية، تتطلب تجديد الالتزام الجماعي، ورفع وتيرة العمل، واستحضار القيم التي رسّخها العرش العلوي منذ قرون: قيم الوحدة، والعدل، والكرامة، والتنمية.

إنها فرصة لنقل الخطاب من مستوى التوجيه إلى مستوى التطبيق، ومن التأمل إلى الفعل، حتى يكون المستقبل في مستوى تطلعات المغاربة كافة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *