التقشف المالي ومجالس الجماعات.. وزارة الداخلية تدق ناقوس الخطر بشأن “نفخ” الميزانيات

التقشف المالي ومجالس الجماعات.. وزارة الداخلية تدق ناقوس الخطر بشأن “نفخ” الميزانيات

في خطوة غير مفاجئة لكنها ذات دلالات سياسية وإدارية عميقة، حركت وزارة الداخلية المياه الراكدة في دواليب التسيير الجماعي، موجِّهةً تحذيرات صارمة إلى رؤساء الجماعات الترابية من مغبة المبالغة في توقعات المداخيل و”نفخ” الميزانيات المحلية، وهي ممارسة أصبحت، بحسب مصادر مطلعة، أحد أبرز أسباب تعثر المشاريع التنموية وتدهور مؤشرات التنمية المحلية.

ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تشكل الميزانية أداة للتخطيط الواقعي والتنمية المستدامة، تكشف التقارير التقنية التي أعدتها مديرية مالية الجماعات، التابعة للمديرية العامة للجماعات الترابية، عن اختلالات صارخة شابت تقديرات المداخيل والنفقات في عدد من الجماعات، بما في ذلك التبويب المحاسبي وفصول التجهيز والتسيير. هذه الاختلالات لا تقتصر على سوء التدبير، بل تعكس أيضاً غياب ثقافة الترشيد المالي وربط الميزانية بالإمكانات الذاتية الحقيقية.

الوزارة، التي تستعد لتعميم مذكرة رسمية عبر الولاة والعمال، شددت على ضرورة القطع مع ثقافة “الميزانيات المنفوخة”، ودعت الجماعات إلى الالتزام بميزانيات واقعية، تقوم على موارد مضمونة وليس على تطلعات انتخابية أو مزايدات ظرفية.

تشديد الرقابة الترابية: من التوجيه إلى التدخل
غير بعيد عن هذا التوجه، لوحظ في الأسابيع الأخيرة تشديد رقابي غير مسبوق من قبل عمال العمالات والأقاليم، خاصة في جهات كبرى كجهة الدار البيضاء – سطات، حيث رفض عدد من العمال التأشير على مشاريع جماعية بدعوى عدم انسجامها مع التوجيهات الحكومية للتقشف، أو بسبب وجود أخطاء إجرائية وشكلية في إعداد الملفات المالية.

وقد فوجئت مجالس جماعية، وفق ما أكده أكثر من مصدر، برفض ملفات صفقات كانت على وشك التنفيذ، لا سيما تلك المتعلقة بتجهيزات اعتبرها المسؤولون الترابيون “غير مستعجلة” أو “ثانوية”، كصفقات كراء سيارات أو تجهيز مقرات إدارية، مقابل الدعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات نحو الحاجيات الأساسية كالماء الصالح للشرب أو مواجهة آثار الجفاف.

ويظهر أن الحركة الانتقالية الأخيرة التي شهدتها وزارة الداخلية، وأسفرت عن تعيين مسؤولين ترابيين جدد، ساهمت في تجديد نفس الحزم الرقابي، حيث بات هؤلاء العمال أكثر حذراً في التعامل مع مقررات المجالس الجماعية، وشرعوا في فحص دقيق لمحاضر الدورات ونقاط الجداول من أجل استبعاد المشاريع التي لا تستجيب للضوابط الجديدة.

الجماعات الكبرى تحت الضغط.. أزمة موارد أم أزمة حكامة؟
تتجلى حدة الأزمة بشكل أعمق في الجماعات الخاضعة لنظام وحدة المدينة، كما هو الشأن في الدار البيضاء، الرباط، وفاس، حيث أدى تراجع المداخيل، وضعف تنفيذ الميزانيات المخصصة للتجهيز، إلى تجميد مشاريع كبرى وتراجع واضح في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. فبدل أن تكون الجماعات رافعة للاستثمار وخلق فرص الشغل، تحولت إلى وحدات إدارية غارقة في الديون أو في النزاعات مع الشركاء والدائنين.

اللافت أن الأزمة لم تعد فقط مالية، بل تحوّلت إلى صراع صامت بين رؤساء مجالس منتخبة من جهة، ووزارة الداخلية من جهة أخرى، خاصة بعد تسجيل حالات امتناع بعض الولاة والعمال عن التأشير على فصول بعينها في الميزانيات، واتهام جماعات منتخبة بالتقاعس عن تنفيذ البرامج الممولة مركزياً.

من سيُصلح أعطاب التدبير المحلي؟
في ضوء المادة 214 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، فإن مالية هذه الأخيرة تظل خاضعة لمراقبة المجالس الجهوية للحسابات، كما أنها عرضة للتدقيق السنوي من قبل المفتشية العامة للمالية أو المفتشية العامة للإدارة الترابية، ما يفتح الباب واسعاً أمام مساءلة قانونية قد تطال مسؤولي التقديرات المغلوطة.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح هو: هل يكفي التقشف وحده لمعالجة أعطاب التسيير المحلي؟ أم أن هناك حاجة ماسة إلى إعادة هيكلة العلاقة بين المركز والجماعات، وربط الدعم المالي بمؤشرات حقيقية للأداء والكفاءة؟

في انتظار صدور المذكرة الرسمية المنتظرة من وزارة الداخلية، يبقى المؤكد أن الجماعات الترابية بالمغرب تدخل مرحلة جديدة عنوانها “الصرامة في التدبير”، وهي مرحلة قد تحمل بذور الإصلاح، لكنها إن لم تُقرن بإصلاح عميق لمنظومة الحكامة المحلية، فستبقى مجرد محاولة أخرى لتأجيل الانفجار المالي القادم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *