هكذا تم خلق بيئة صالحة لاستقطاب المهاجرين السريين والمتسولين عوض المستثمرين بمدينة الفنيدق
عندما تقوم بجولة تفقدية في مدينة الفنيدق، يخيل إليك في البداية أن الأمور تسير نحو الأحسن، فمدخل المدينة تم تجميله بإتقان: أضواء ليلية تزين جنبات الطرق، ورود تبعث على الأمل، وحالة من النظام المؤقت توحي لزائرها بأنه أمام نموذج لمدينة في طريقها للالتحاق بركب المدن العالمية العصرية. لكن هذا الانطباع الجميل سرعان ما يتبخر، وتتحول الصورة المثالية إلى مشهد فوضوي تنبعث منه روائح التخلف وسوء التدبير.
فجأة، وبدون سابق إنذار، تبدأ مظاهر البؤس في الظهور عربات مجرورة تملأ الأرصفة، وباعة متجولون احتلوا الشوارع والساحات العامة، وأقمشة بالية متسخة تحلق في سماء المدينة ترفرف فوق أسواق عشوائية لا تخضع لأي مراقبة صحية أو إدارية. مشهد يسائل الجميع: من سمح بتحويل المدينة إلى فضاء مفتوح لكل أنواع الفوضى و التخلف؟ ومن أعطى الضوء الأخضر لطمس معالم التنمية التنظيم والتحديث؟ واستبدلها بعرباب الفلفل و البدنجال و السردين المقلي .
ما يثير الاستغراب أكثر هو أن ما تم منعه على شاطئ المدينة من مظلات وأكشاك بسيطة، يُسمح له وسط المدينة دون حسيب ولا رقيب. وكأن القانون يُطبق فقط حيث لا يزعج، ويُعلَّق حيث تُرضي القرارات قوى خفية لا ترى في الفنيدق سوى مجالاً فوضوي
هذه البيئة المنفلتة من الضبط والمراقبة، هي ما جعل المدينة محطة جذابة للمهاجرين السريين، الذين يتخذون من شوارعها مأوى مؤقتا، ومن أرصفتها فضاء للانتظار والتخطيط. كما تحولت إلى قبلة للمتسولين والمشردين الذين وجدوا في غياب المراقبة وصرامة القانون أرضا خصبة للتجوال والاستقرار.
المؤسف في الأمر أن هذا المناخ الطارد جعل عدداً من المستثمرين الحقيقيين يغادرون المدينة أو يتراجعون عن مشاريعهم، بعدما اكتشفوا أن لا بيئة صالحة لاحتضان مشاريعهم، ولا احترام لمقومات الاستثمار الجاد.
فهل سيتحرك المسؤولون لالتقاط هذه الإشارات الصارخة؟ وهل هناك نية حقيقية لإعادة النظر في السياسات التدبيرية التي كرّست واقع العشوائية وجعلت من الفنيدق عاصمة غير معلنة للفوضى واحتلال الملك العمومي؟
أم سنبقى نرقص على أنغام التناقض، ونجمّل الواجهة لنعمي بها أعين الزوار، بينما يظل الداخل متعفناً بمظاهر الإهمال والتسيّب؟
إن غياب تفعيل القانون، واستمرار سياسة الترقيع، لا يمكن إلا أن يكرسا الواقع المؤلم. وعندما يغيب الضبط وتغيب المحاسبة، يصبح الطبع الفوضوي أقوى من كل محاولات التطبيع مع الحداثة والتنمية.
الفنيدق لا تحتاج إلى تزيين مدخلها فقط، بل تحتاج إلى إرادة سياسية جادة، وإصلاحات جذرية تُخرجها من منطق التجميل إلى منطق التغيير، قبل أن يستوطن الداء ويستعصي الدواء.

