بين لحوم الحمير والبقر: مشهد يروي قصة الإهمال
في وادٍ هادئ بين تلال تازة، وتحديداً بجماعة وادي أمليل، أفاق السكان على مشهد غير مألوف: عظام مبعثرة، رؤوس بلا أجساد، وهياكل متناثرة توحي بكابوس مسلخ مجهول. العيون ذُهلت، والشكوك تسللت، إذ لم يتأخر بعضهم في إطلاق العنان لخيال شعبي طالما ارتبط بالذبح العشوائي للحيوانات المحرمة للاستهلاك، متسائلين: “هل هي عظام الحمير التي تعود لتطارد موائدنا؟”
غير أن الحقيقة، كما جاء بها تقرير المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA)، حملت رواية أقل رعباً، لكنها لا تقل إثارة للأسئلة.
العظام تعود لأبقار، لا لحمير كما سارع البعض للترويج، حسب المعاينة الميدانية الدقيقة التي أجراها التقني البيطري المحلف لدى المصلحة البيطرية الإقليمية بتازة بتاريخ 20 يوليوز 2025.
تفاصيل العظام المُعاينة كشفت عن رؤوس أبقار كاملة، أقفاص صدرية مهشمة، أعمدة فقرية ممتدة، وألواح كتف ضخمة، كلها بقايا تؤكد نشاطاً للذبح، لا شبح تجارة محرمة.
لكن، إن كانت الحقيقة أقل صدمة مما نُسج من شائعات، فإن المشهد لا يخلو من عبثية.
أين تُدار مخلفات الذبح؟ ولماذا تُترك في فضاء مفتوح؟
أليست هذه العظام بمثابة طُعْم بيئي لجيوش من الكلاب الضالة؟ ألا تُهدد الساكنة بروائح كريهة وتكاثر الحشرات وربما تسربات بيولوجية تلوّث التربة؟
تقرير الـONSSA وإن كان قد طمأن الناس، إلا أنه وجه توصية حازمة إلى السلطات المحلية والجماعية بضرورة طمر هذه البقايا فوراً، درءاً لأي أخطار صحية وبيئية محتملة.
المفارقة هنا ليست فقط في طبيعة العظام، بل في طريقة تعامل بعض الجهات مع مثل هذه النفايات.
هل ننتظر دائماً صوراً تُنشر على الفيسبوك وتُشعل المنصات لنُحرّك الجهات المعنية؟
أليس من المفروض أن يكون الطمر والإتلاف جزءاً عادياً من منظومة تدبير الذبح؟
المشهد في وادي أمليل يُعيد طرح سؤال المواطنة البيئية، والمسؤولية الجماعية.
فرغم أن العظام لا تعود لحمير – لحسن الحظ – فإنها تفضح غياب تصور واضح لتدبير بقايا الذبح خارج الأسواق الرسمية.
هي ليست مجرد عظام…
بل شهادة باردة على ضرورة أن تُدفن الفوضى، كما تُدفن النفايات.

