مسيرة آيت بوكماز.. صرخة المغرب العميق في وجه التهميش
المشهد مؤلم بقدر ما هو كاشف. مئات المواطنين من آيت بوكماز بإقليم أزيلال يشقون الطريق مشيا على الأقدام في اتجاه مقر ولاية جهة بني ملال خنيفرة. في صمتهم وعنادهم تتجلى حكاية المغرب العميق الذي ما زال يرزح تحت ثقل التهميش والإقصاء في مغرب يفترض أنه قطع أشواطا في التنمية والتوازن بين الجهات.
المسيرة تحركت رغم كل محاولات التهدئة والتفاوض. شعاراتها كانت واضحة ومباشرة: فتح المسالك الطرقية وفك العزلة عن القرى وتحسين خدمات الاتصال ودعم البنيات التحتية وتوفير الحد الأدنى من شروط العيش الكريم. لا شيء خارج المنطق ولا خارج الممكن سوى أن المنطق والممكن في هذه الربوع يصطدمان بجدار البيروقراطية واللامبالاة.
هذه المسيرة تكشف مرة أخرى الوجه الصارخ للفوارق المجالية في المغرب. ففي حين تتسابق المدن الكبرى نحو المشاريع العملاقة والمهرجانات والماركات العالمية ما زالت القرى الجبلية تحلم بمسلك ترابي يحمي التلاميذ من الانقطاع عن الدراسة في فصل الثلوج وبهوائي لتقوية شبكة الهاتف وبمستوصف يخفف عن النساء الحوامل والمرضى عناء السفر عشرات الكيلومترات.
خطاب العدالة المجالية الذي تردده الحكومات منذ سنوات ما زال بدون أثر ملموس في مثل هذه المناطق. سياسات التنمية الجهوية ظلت حبيسة الوثائق والندوات فيما الواقع على الأرض لم يتغير.
مسيرة آيت بوكماز ليست مجرد احتجاج محلي بل هي صرخة مواطنين سئموا الوعود وقرروا أن يجعلوا معاناتهم مرئية. هي أيضا رسالة إلى صناع القرار بأن المغرب الذي نريده ليس هو مغرب الصور الرسمية فقط بل هو أيضا مغرب القرى والمداشر والجبال والسهول حيث يقيم ملايين المغاربة على الهامش.
التنمية ليست أرقاما ولا مؤشرات فقط بل هي أولا إنصاف لأبناء الوطن جميعا وتحقيق لكرامتهم في أبسط معانيها. والمغرب العميق يستحق أن يُنصت إليه قبل أن يتفاقم الغضب وتتسع الهوة أكثر.


