الفنيدق الارتماء في البحر هل هو هروب نحو الحياة أم انتحار نفسي جماعي؟
في مشهد يتكرر بشكل مؤلم، لا يكاد يمر شهر دون أن تصل أنباء عن شباب مغاربة، خاصة من مدن الشمال كالفنيدق، قرروا خوض مغامرة الهجرة السرية سباحة عبر البحر، رغم علمهم المسبق بالمخاطر المحدقة بهم، والتي قد تنتهي بالموت غرقا في عرض المتوسط. لكن ما الذي يدفع شابا في مقتبل العمر إلى الارتماء في المجهول؟ وهل نحن أمام سلوك عادي، أم أمام مؤشر على أزمة نفسية واجتماعية واقتصادية مركبة؟
تشير الشهادات الميدانية إلى أن معظم هؤلاء الشباب يعيشون تحت وطأة التهميش، وانسداد الأفق، وغياب البدائل. ظروف اجتماعية صعبة، وبطالة مستشرية، وفقر مدقع، تجعل من فكرة الفرار إلى الضفة الأخرى حلا أخيرا. هنا، لا يصبح البحر خيارا، بل مخرجا نفسياً من جحيم لا يطاق.
من الناحية النفسية، يؤكد مختصون أن سلوك الارتماء في البحر رغم المعرفة المسبقة بخطورته قد يكون نوعًا من الانتحار المؤجل أو غير المباشر. فالشخص في هذه الحالة لا يذهب بحثًا عن الحلم فقط، بل يهرب من واقع يراه قاتلاً ببطء. وحين تصبح الحياة داخل بيئة مرادفًا للعجز والذل، يغدو الموت نفسه احتمالًا مقبولًا.
الأخطر من ذلك، أن هذه الفئة من الشباب، التي تعاني من أزمات نفسية وفقدان الإحساس بالانتماء، تصبح أرضًا خصبة للاستقطاب من قبل جماعات متطرفة. فقد سبق لمدينة الفنيدق أن تصدرت واجهة الأحداث خلال سنوات مضت، بعدما التحقت مجموعات من شبابها ببؤر التوتر كسوريا. وهو ما يكشف بوضوح أن غياب الأمل، وغياب الدعم النفسي والاجتماعي، يدفعان بالشباب إما نحو البحر… أو نحو التطرف.
إن التعامل مع هذه الظاهرة لا يمكن أن يظل محصورا في المقاربة الأمنية أو الزجرية. المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى خطة وطنية شاملة، تعالج الجذور لا الأعراض. التعليم، الصحة النفسية، دعم الشباب، الاستثمار في التنمية المحلية، خلق فرص العمل، وتعزيز ثقافة الأمل والانتماء… كلها مفاتيح لا يمكن تجاوزها.
ما يقوم به هؤلاء الشباب ليس هروبًا نحو أوروبا فحسب، بل هو صرخة احتجاج على مسؤولين لم يمنحوهم فرصة الكرامة. صرخة يجب أن تسمع قبل أن تبتلعها الأمواج. فالذي يرتمي في البحر لا يبحث بالضرورة عن حياة جديدة، بل أحيانًا فقط عن نهاية لألم مستمر.


