قانون المسطرة الجنائية..المجلس الاقتصادي والاجتماعي يدعو إلى إصلاح شامل وواقعي

قانون المسطرة الجنائية..المجلس الاقتصادي والاجتماعي يدعو إلى إصلاح شامل وواقعي

في سياق النقاش الدائر حول إصلاح منظومة العدالة الجنائية بالمغرب، قدم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رأياً مفصلاً بخصوص مشروع قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23، مسجلاً جملة من الملاحظات والانتقادات التي تعكس حرصه على مواءمة التشريعات الوطنية مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية التي يشهدها المغرب.

رغم الإشارات الإيجابية التي حملها مشروع القانون، من قبيل التنصيص على ضرورة حماية الضحايا والعناية بهم كأحد المرتكزات، إلا أن المجلس سجل قصوراً في التدابير العملية التي من شأنها أن تترجم هذا الالتزام على أرض الواقع. ففي تقريره، أكد المجلس أن إحداث خلايا التكفل بالنساء والأطفال وتعزيز مكاتب المساعدة الاجتماعية، رغم أهميته، لا يشمل جميع الضحايا، مما يفرغ هذا التوجه من مضمونه الشمولي.

وأشار التقرير إلى محدودية هذه الآليات من حيث الموارد البشرية والمادية، وتعدد المهام الموكلة إليها، مما يجعل من الصعب أن تضطلع بأدوارها بالفعالية المطلوبة. وفي هذا السياق، اقترح المجلس الاستعانة بجمعيات المجتمع المدني المتخصصة لتقديم دعم مباشر ومتكامل للضحايا، بما يعزز التكامل بين الدولة والمجتمع.

أما بخصوص تعويض الضحايا، فقد انتقد المجلس اقتصار المشروع على التعويض ضمن إطار الدعوى المدنية، دون توفير آليات مستقلة وفعالة تساعد الضحايا على مواجهة التكاليف المترتبة عن الجريمة، مثل العلاج، التأهيل النفسي، أو تعويض فقدان الدخل. ولتجاوز هذا القصور، دعا المجلس إلى التفكير في إحداث صندوق وطني لتعويض الضحايا، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول المتقدمة، حيث توجد صناديق خاصة تقدم دعماً مباشراً وسريعاً، بمعزل عن مآلات الدعوى القضائية.

وفي الشق المتعلق بعقل الأملاك، وخاصة في ما يخص الجرائم المرتبطة بالملكية العقارية، نبه المجلس إلى غياب رؤية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار الأثر الاقتصادي والاجتماعي لقرارات الحجز أو التجميد، لا سيما حين يتعلق الأمر بعقارات تضم أنشطة تجارية أو إنتاجية توفر مناصب شغل وتشكل مصدر رزق لأسر لا علاقة لها بالجريمة المرتكبة.

ورغم احتفاظ مشروع القانون بسلطة قاضي التحقيق والمحكمة في إصدار أوامر بالعقل، وتقييد صلاحيات وكيل الملك بتقديم طلب إلى رئيس المحكمة، إلا أن المجلس يرى أن هذا غير كافٍ، ما لم يواكبه نص صريح يضمن استمرارية الأنشطة الاقتصادية وحماية الأطراف غير المتورطة.

ودعا المجلس إلى تبني مقاربة تعتمد على مبدأ التناسب والضرورة، مع إمكانية وضع الممتلكات محل الحجز بين يدي جهة موثوقة، سواء كانت مؤسسة عمومية أو شخصاً معنوياً، يُعهد إليه بتسيير الوحدة الاقتصادية خلال فترة الحجز، تفادياً لتعطيل عجلة الإنتاج أو الإضرار بحقوق عمال أبرياء.

كما أشار إلى أن عدداً من التشريعات الدولية، من قبيل فرنسا والمملكة المتحدة وكندا، قد سبقت إلى إرساء هذه الآليات، والتي تهدف إلى حماية التوازن بين متطلبات العدالة الجنائية واستقرار الاقتصاد المحلي.

في ختام رأيه، أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن نجاح إصلاح المسطرة الجنائية لا يكمن فقط في تعزيز سلطة الدولة في مكافحة الجريمة، بل يتطلب أيضاً بناء منظومة متوازنة تراعي كرامة الضحايا، وتحمي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأبرياء المتأثرين بشكل غير مباشر بالإجراءات القضائية.

فمن خلال تعزيز آليات الدعم والتعويض، وتحديث تدابير عقل الأملاك بما يتناسب مع متطلبات التنمية، يمكن للقانون الجديد أن يشكل نقلة نوعية في سبيل تحقيق عدالة شاملة، تراعي الإنسان والمجتمع في آن واحد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *