_أزمة الدجاج بالمغرب: بين تغوّل السماسرة وعجز الوزارة الوصية
في زوايا الحقول وأروقة الضيعات، يتردد صدى أزمة تتفاقم يوماً بعد يوم، أزمة تُلقي بظلالها على قطاع حيوي يمس موائد المغاربة واقتصادهم اليومي. أزمة الدجاج بالمغرب لم تعد مجرد مشكلة مهنية تخص المربين وحدهم، بل أضحت مرآة تعكس خللاً عميقاً في سوق يخضع لنفوذ السماسرة وتواطؤ المحاضن، في ظل غياب تدخل حازم من الوزارة الوصية.
صرّحت الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم بأن وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات تتحمل مسؤولية مباشرة عن التغوّل الصارخ للسماسرة الذين عقدوا تحالفات غير قانونية مع المحاضن. هذه التحالفات لا تقتصر على التحكم في العرض والطلب، بل تجاوزت ذلك إلى رفع أسعار الكتاكيت بشكل غير مسبوق، حيث بلغ سعر الكتكوت الواحد 14 درهماً، وهو رقم يثقل كاهل المربين، خاصة الصغار منهم.
هذا التلاعب الفاضح بالسوق يضع المربين في مأزق اقتصادي خانق، حيث يجدون أنفسهم عالقين بين مطرقة ارتفاع الأسعار وسندان غياب الدعم الحكومي. فالمعادلة ببساطة لم تعد متوازنة: كيف يمكن للمربي أن يبيع دجاجه بسعر معقول للمستهلك، بينما تكاليف الإنتاج تُحلق في مستويات غير معهودة؟
تؤكد الجمعية أن تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من لحم الدجاج تصل إلى 18 درهماً لدى المربي الصغير والمتوسط. هذه التكلفة تشمل سعر الكتكوت والأعلاف المركبة، فضلاً عن تكاليف النقل واللوجستيك، خاصة لمن تقع ضيعاتهم في مناطق نائية بعيدة عن المحاضن وشركات الأعلاف. هذا الواقع يضع المربين في مواجهة مباشرة مع الإفلاس، حيث بات من الصعب تغطية هذه التكاليف في ظل انخفاض هوامش الربح وارتفاع المنافسة غير الشريفة.
لكن الأخطر من ذلك هو أن هذه المعاناة ليست نتاج عوامل طبيعية أو اقتصادية بحتة، بل تعود إلى “تواطؤ مكشوف” بين أطراف تستغل غياب الرقابة والتدخل الفعّال من الجهات المسؤولة. فبحسب الجمعية، يتم التلاعب بالعرض الوطني للكتاكيت وإخفاء حقيقة الإنتاج، مما يؤدي إلى خلق أزمة مصطنعة تخدم مصالح فئة ضيقة على حساب المربين والمستهلكين على حد سواء.
في ظل هذه الأوضاع، تُوجَّه أصابع الاتهام إلى الوزارة الوصية التي لم تتخذ أي إجراءات ملموسة لوضع حد لهذا الوضع. ورغم المراسلات التي تلقتها الوزارة من المهنيين، إلا أن صمتها المطبق يعكس، في نظر الجمعية، تواطؤاً غير مباشر أو على الأقل تقصيراً في أداء مهامها الرقابية.
إن غياب التدخل الفوري والحاسم يجعل تساؤلات كثيرة تطرح نفسها بإلحاح: لماذا هذا الصمت أمام ممارسات تضرب في صميم الاقتصاد الوطني؟ وكيف يمكن تفسير غياب إجراءات ردعية ضد تحالفات غير قانونية باتت معروفة للجميع؟
لا يتوقف تأثير هذه الأزمة عند المربين فقط، بل يمتد ليصل إلى المستهلك المغربي، الذي يجد نفسه مضطراً لدفع أسعار مرتفعة مقابل منتج أساسي كالدجاج. حيث أن سعر الكيلوغرام في الأسواق لم ينخفض، وبلغت أسعاره مستويات تفوق قدرة العديد من الأسر، مما يُثقل كاهلهم في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل عام.
إن الحديث عن حل لهذه الأزمة يتطلب رؤية شمولية تضع في اعتبارها مصالح جميع الأطراف: المربين، المستهلكين، وحتى الدولة. فلا يمكن معالجة هذه المشكلة دون كسر احتكار السماسرة وفرض رقابة صارمة على المحاضن وشركات الأعلاف. كما يجب أن تضطلع الوزارة الوصية بدورها في دعم المربين الصغار والمتوسطين، سواء عبر تقديم إعانات مالية أو توفير أعلاف بأسعار مدعومة.
علاوة على ذلك، يتعين تعزيز الشفافية في السوق وضمان إتاحة المعلومات المتعلقة بالإنتاج الوطني للكتاكيت بشكل علني، بحيث لا تترك مجالاً للتلاعب أو الاحتكار. فالمسألة ليست مجرد أزمة عابرة، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على حماية اقتصادها الوطني وضمان استقرار أسواقها.
أزمة الدجاج بالمغرب هي أكثر من مجرد قضية مهنية أو اقتصادية؛ إنها انعكاس لصراع بين قوى تتحكم في السوق وبين فئة تسعى بكل جهدها للبقاء والصمود. إنها معركة بين ممارسات غير أخلاقية وبين رغبة شعب في تحقيق العدالة والاستقرار.
إن الأمل معقود على وعي جميع الأطراف بضرورة العمل المشترك للخروج من هذه الأزمة، بحيث يُعاد التوازن إلى سوق يضمن حقوق المربين، ويُخفف العبء عن المستهلكين، ويُعيد الثقة إلى قطاع يُعدّ ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني. أما الوزارة الوصية، فإنها أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل التقاعس أو التأجيل.

