حوار خاص مع الباحث التربوي والحقوقي رضوان المسكيني
في سياق مواصلة التعبئة والتواصل حول المدرسة المغربية التي تعتبر من الشروط الداعمة لإنجاح الإصلاح التربوي ببلادنا، المؤطر بمقتضيات القانون الإطار رقم 17.51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، والتزامات خارطة الطريق للإصلاح 2026-2022، وبرامج الإطار الإجرائي 2024-2023، والهادفة إلى تمكين الفاعلين الإداريين والتربويين من تملك مختلف البرامج التي تروم تحقيق تحول المدرسة المغربية، وخلق دينامية جديدة، وتضافر الجهود لقيادة التحول التربوي المنشود ذي الأثر الفعال داخل فصول المؤسسات التعليمية، لايقول الباحث التربوي والحقوقي رضوان المسكيني، رغم أن المغرب يوفر إمكانيات مهمة للمدرسة العمومية، حيث يتم سنويا تخصيص 20%من ميزانية الدولة للتربية الوطنية، أي ما يعادل 60 مليار درهم، ورغم ما يمكن الإشارة إليه من تطور ملموس على مستوى تعميم التعليم في المستوى الابتدائي وارتفاع ملحوظ لمعدل التمدرس بالنسبة للثانوي التأهيلي وكذا الإقلاع الذي عرفه التعليم الأولي، جميع الإصلاحات المتعاقبة لم ترق إلى المستوى النوعي المنشود من حيث الأثر سواء داخل الفصول الدراسية أو بالنسبة للمتمدرسات والمتمدرسين، لأن جودة التعليم الذي تقدمه المدرسة العمومية ظل ضعيفا. حاورت الجريدة الباحث التربوي والحقوقي رضوان المسكيني ليسلط الضوء على بعض القضايا التربوية.
هل لك أن تحدثنا عن كرونولوجيا الاصلاح الذي عرفه قطاع التعليم ببلادنا خصوصا الاصلاحات الأخيرة؟
شكرا لكم على الاستضافة، سؤال وجيه قبل أن نتحدث عن الإطار التاريخي للإصلاح الذي عرفه القطاع منذ فجر الاستقلال، لابد لنا أن يعرف القارئ الكريم، أن جميع الدراسات والاصلاحات المنجزة تؤكد على أن قضية التربية تبقى من الاهتمامات الأساسية الأولى للمغاربة. وهي تشكل رهانا لتحقيق المساواة، يضع جودة التعليم في متناول أبنائنا في جميع جهات المملكة، كما أنها تعد رهاناً، لتحقيق التنمية، يؤهل المدرسة العمومية لتكون حاضنة للانفتاح وتحرير الطاقات ولتكون أيضا قادرة على تكوين مواطنين أكفاء، نشيطين، منتجين للمعنى وللقيم والثروات وهذا هو بيت القصيد الذي يجب أن يتمحور حوله أي إصلاح كيفما كان نوعه.
لقد استمرت أزمة المدرسة المغربية لأكثر من عقدين من الزمن رغم سلسلة من مبادرات الإصلاح انطلقت مع الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999)، وتواصلت مع البرنامج الاستعجالي (2008)، والتدابير ذات الأولوية (2014)،وتفعيلا لتوصية الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2030-2015 التي أقرها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، والداعية إلى تحويل اختياراتها الكبرى إلى قانون إطار يجسد تعاقدا وطنيا يلزم الجميع، ويلتزم الجميع بتفعيل مقتضياته ؛ واعتبارا لأهمية ومكانة منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي في تحقيق المشروع المجتمعي لبلادنا، ونظرا للأدوار المنوطة بها في تكوين مواطنات ومواطني الغد، وفي تحقيق أهداف التنمية البشرية والمستدامة، وضمان الحق في التربية للجميع، بما يجعلها في صدارة الأولويات الوطنية.
جاء التنصيص على مبادئ وتوجيهات وأهداف إصلاح المنظومة في قانون -إطار-، من شأنه أن يضمن التطبيق الأمثل لمستلزماته، ويؤمن استمراريته، باعتباره مرجعية تشريعية ملزمة في اتخاذ النصوص التشريعية والتنظيمية اللازمة لبلورة الأهداف والتوجيهات والمبادئ الكبرى للبلاد.
ومن أجل الارتقاء الفعلي بجودة المدرسة العمومية كان لابد من إحداث قطيعة مع الأساليب السابقة في أجرأة الإصلاح، وذلك بالانتقال من مقاربة تتمحورحول الوسائل والتدابير المسطرية إلى ثقافة إصلاحية تتمحور حول الأثرداخل الأقسام. بعده تم تقاسم ومناقشة مشروع خارطة الطريق مع أزيد من 100 ألف مشاركة ومشارك في إطار المشاورات الوطنية، والتي مكنت تأكيد وجاهة مضامين خارطة الطريق المقترحة مع إغنائها بالمقترحات والانتظارات الكبرى للمشاركين، خلصت إلى تبني خارطة طريق إصلاح المدرسة العمومية التي ترتكز على ثلاثة أهداف استراتيجية في أفق 2026 وهي: التعلمات الأساس، والأنشطة الموازية والحد من الهدر المدرسي، وارتكز تدخلها على ثلاثية المنظومة التعليمية: (التلميذ- الأستاذ- المؤسسة التعليمية)، عبر 12 التزام من أجل التغييروالذي يتطلب توفير ثلاثة شروط أساسية للنجاح هي : الحكامة، التزام الفاعلين والتمويل وهذا ما التزمت به وعملت به الوزارة الوصية على القطاع منذ تبني هذا المشروع المجتمعي الشامل الذي يهدف بالأساس إلى تحقيق الهدف الأسمى المتمثل في الارتقاء بالفرد وتقدم المجتمع. ناهيك على أن الجميع ملزم بتملكه والانخراط الجاد فيه كما أكد صاحب الجلالة نصره الله في خطابه السامي”” ولضمان النجاح للمنظورالإستراتيجي للإصلاح،فإنه يجب على الجميع تملكه، والانخراط الجاد في تنفيذه””.
فمنذ ولادة هذا الورش الوطني الكبير ووزارة التربية الوطنية تعمل بكل جدية وتفاني بجميع أطرها من الصعيد المركزي إلى الجهوي و المحلي، حيث قامت بتعزيز دور المدرسات والمدرسين كفاعلين في قيادة التغيير بمختلف المؤسسات التعليمية والفصول الدراسية، والميدان شاهد على مجموعة من المبادرات والمشاريع والبرامج التي نفذت، أهمها الاستثمار في التكوين وتعزيز جاذبية المهنة،عبر إعادة هيكلة مسارات التكوين الأساسي ومراجعة وتجويد البرامج والمناهج المرتبطة به أيضا، كما أولت الوزارة عناية خاصة لتحسين ظروف اشتغال الأساتذة وتمكينهم من التجهيزات ووسائل العمل الرقمية، وتزويدهم بالمقاربات والأدوات البيداغوجية الناجعة، وتوسيع هامش المبادرة لديهم، وتأطيرهم ومواكبتهم في الميدان، فضلا عن الاعتراف بنجاحاتهم. (المدرسة الرائدة ) مثلا.
هناك جدل كبير حول تنزيل مشروع المدرسة الرائدة بين مؤيد يشيد بجرأة الرؤية، و معارض يُحذر من مخاطر محتملة؟
لكي أكون موضوعيا ليس هناك أي جدل كبير بقدر ما يمكن أن نقول أنه كان مجرد سوء فهم، والذي يتطلب إزالته خصوصا عند الآباء والأمهات، تنزيل هذا المشروع جاء في سياق عرف عدة أحداث صاحبت هذا القطاع وعلى رأسها الإضرابات والتوقفات التي عاشتها المدرسة المغربية عموما السنة الفارطة، وفي ظل هذه الأحداث والتطورات لم يأخذ هذا المشروع حقه إعلاميا خصوصا في ظل الاحتقان الذي عاشه أحد أقطاب العملية التعليمية التعلمية، وهو المدرس الحلقة الأساس في المنظومة إلى جانب المتعلم -بطبيعة الحال- المدرس هو الفاعل الجوهري في تحول المدرسة العمومية، خاصة إذا ما تمت مواكبته وتأطيره من لدن الإدارة التربوية وهيئة التفتيش. والوزارة الوصية على القطاع عملت على تنزيل هذا المشروع منذ بداية الموسم الدراسي الماضي، وأبانت عن جديتها واعتبرته أحد أولوياتها فقامت بتجنيد جميع أطرها من أساتذة ومفتشين وإداريين ومختصين.
هذه المقاربة ترتكز على رفع مستوى التحصيل الدراسي لدى المتعلمين خصوصا مواد اللغة العربية واللغة الفرنسية والرياضيات. وتطوير قدرات المتعلمين في مجالات أضحت ضرورية لمواكبة متطلبات العصر. كالتفكير النقدي وحل المشكلات والابتكار والتواصل الفعال واستخدام التكنولوجيا والعمل جماعيا وغيرها. وبناء على ذلك ينبغي أن يكون التعليم فعالا لكون المتعلم عنصرا يشارك في بناء معرفته وليس عنصرا سلبيا يستهلك فحسب، كما تهدف إلى الرقي بالتعلم من خلال تفييئ المتعلمين حسب درجة تحكمهم في المعارف والمهارات المستهدفة بعد التشخيص. وبعد ذلك يتم التعليم اعتمادا على التفيئ السابق ثم التشخيص. وهكذا يُبنى التعلم على أساس متين يتجاوز مشكل ضعف التحكم في الأساسيات التي كان يُشتكى منه في السابق، والدليل أن التقييمات أبانت عن الأثر الإيجابي لمدارس الريادة على مستوى تحكم التلميذات والتلاميذ في التعلمات الأساس، وذلك بفعل الأثر المزدوج للدعم العلاجي المكثف لجميع التلاميذ باعتماد مقاربة التعليم وفق المستوى المناسب للمتعلم (TaRL) من جهة، ومقاربة التدريس الفعال التي تسمح بتحسين الممارسات البيداغوجية وبناء التعلمات بشكل أفضل، بعيدا عن العشوائية التي كان يتخبط فيها الفصل الدراسي، منذ بداية السنة الدراسية أو بالأحرى منذ بداية التقويم التشخيصي بروائز غير موحدة ولا تستجيب لمعايير التقويم والقياس، ومدى فاعليتها المطلوبة أثناء إعداد الخطة العلاجية أو خطة الدعم.
وهكذا يبقى التدريس وفق المستوى المناسب هو الحل والأسلوب الذي كان ينبغي العمل به منذ مدة. فقد كانت المدرسة العمومية دوما في مرمى الانتقاد. فتُتهم بأنها تُنتج خريجين كثر لهم ضعف ملموس في القراءة وفي الحساب. والذي يعني ضعفهم في المواد اللغوية، وخصوصا منها العربية والفرنسية. فاللغة تبنى بشكل تراكمي، وبشكل يفرض تعلم واستيعاب معطى قبل تعلم معطى آخر، وإلا ستبقى لدى المتعلم ثغرة معرفية لا يمكن علاجها بسهولة مستقبلا في مراحل أخرى، إذا تم تجاوزها دون علاج بالتشخيص والدعم. فتعلم الحروف مثلا يسبق تعلم المقاطع الصوتية. وتعلم المقاطع يسبق تعلم الكلمات وهكذا. إذن لا ينبغي أن يُسمح بانتقال المتعلم من مرحلة تعلمية إلى مرحلة أخرى إلا بعد أن يكون لديه مستوى كاف من التحكم في المعارف المستهدفة.
اليوم في ظل مشروع المدرسة الرائدة أصبح الأستاذ يشتغل داخل إطار منهجي منظم وفق معاير متداخلة ومترابطة داخل نسق تعليمي موحد يخضع للتقييم والتتبع من طرف المفتش والإدارة وينطلق من إجراءات التقويم التشخيصي وينتهي بإجراءات الامتحان الإشهادي.
سؤال آخر من خلال تجربتك كباحث تربوي في الميدان لسنوات هل لك ان تحدثنا عن إشكالية تنزيل القيم في المدرسة؟
جدير بالذكر وللأمانة العلمية فمدخل القيم هذا يحتل مكانة متميزة في المنهاج التربوي المغربي، حيث عملت وزارة التربية الوطنية والتعليم بتنسيق مع مديرية المناهج والبرامج على إدماج البعد القيمي في الكتب المدرسية. وذلك بتعديل البرامج والمناهج الدراسية، والتخطيط لوضعيات تعليمية حياتية حاملة لقيم مختلفة، بغية تكوين متعلم قادر على الاندماج الفعلي والايجابي بمجتمعه، متشبع بمجموعة من القيم والمعارف.
وعليه فسؤالنا العميق “المدرسة المغربية… أي قيم؟” وماهي خصوصية المدرسة التي نريد؟ باعتبارها مؤسسة اجتماعية رائدة في تطوير المجتمع وتنشئة الفرد وتربيته، وهذا ما يستدعي الاهتمام بها وبطبيعة القيم التي ننشدها من خلالها، غير أن الواقع يختلف تماما، من خلال طرح المدرسة لوضعية متناقضة بين خطاب التنظير وآليات الممارسة، رغم أن الوزارة الوصية على القطاع لا تدخر جهدا لتكون رائدة في تنزيل الموضوع على أكمل وجه، خصوصا أن المجلس الأعلى للتربية والتكوين أصدر تقريرا خاصا في الموضوع بنى تصوره للتربية على القيم أنها مقاربة شاملة تستدعي الأبعاد النفسية والسلوكية والاجتماعية والمدنية والثقافية والبيئية.
كما أن تنشئة الأطفال كذلك لا تنحصر فقط في تعليمهم الأخلاق والسلوك الحسن وتوفير وسائل التربية والتعليم لهم (المدرسة الرائدة نموذجا) بل للتنشئة مطالب ومرامي أبعد يجب أن تضم جناحي التعليم والتربية الروحانية. والمتعلم كذلك في حاجة دائمة ومستمرة إلى نظام تعليمي متجدد، يدرك حاجة متعلميه ومتطلباتهم النمائية، وليس نظام يبتدأ بالكلام وينتهي بالكلام. لأن الكنز الحقيقي للإنسان هو علمه الذي هو عزة نفسه خصوصا إذا علمنا مسبقا أن العلاقة بين القيم والتربية علاقة متبادلة تتبادل التأثير والتأثر الذي قد يولد الفرح والنشاط والبهجة والانبساط أو العكس تماما.
فإذا كانت هذه القيم ثابتة مصدرها الأديان؛ فالتدين جاء لتهذيب السلوك وجعله مطابقا لمقتضى تعاليم الخالق من عباده وتوجيه البشرية نحو الكمال الأخلاقي والإنساني، بعيدا عن نوازع الذات والهوى. وحقيقة أخرى لابد من طرحها وهي أن المجتمع المغربي يستمد قيمه من الدين الإسلامي أولا، ومن العادات والتقاليد المتوارثة ثانيا، ثم من التراث الإنساني الكوني والعالمي ثالثا وأخيرا، وهذا هو بيت القصيد الذي يجب أن ننتبه إليه، خصوصا أن العالم الجديد المتقدم بواسطة العولمة أصبح اليوم بمثابة قرية صغيرة. منفتح على ثقافات وعادات ذات مبادئ كونية قد يستطيع أطفالنا وشبابنا التشبع بها انطلاقا من وسائل التواصل الاجتماعي، وهي حقيقة لا يمكن نكرانها. وهذا ما دفع الوزارة الوصية على القطاع في أحد رافعاتها من جهة تعزيز الجوانب المرتبطة باللغات والمعارف والكفايات، وإعطاء أهمية خاصة للوسائط التكنولوجية الجديدة، اعتبارا للمكانة الوازنة التي أضحت تحتلها الأجيال الحالية، خصوصا في حياتها ومواقفها وتمثلاتها للذات وتفاعلها مع الآخر. ومن جهة أخرى توازيا مع تفعيل أهداف خارطة الطريق 2022-2026 خاصة في البرنامج الرابع المتعلق بالأنشطة الموازية والذي يهدف بالأساس إلى تفعيل الأنشطة الإبداعية والثقافية كوسيلة مهمة في التنشئة والتربية على القيم وتصحيح سلوك الناشئة.
ومع ذلك فالمدرسة المغربية تحتاج إلى وصفة سحرية، خاصة بتنزيل القيم بالخصوص ذات البعد الكوني لتتجاوز إشكالية التنزيل والتفعيل، حتى نستطيع إنتاج مواطن يؤمن بالوحدة الوطنية والعالمية وبوحدة الجنس البشري.

