تحليل لمداخلة عبد الله بووانو حول دور المجتمع المدني ومحاربة الفساد:
قدم عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، في مداخلته أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، رؤيته لقضايا محاربة الفساد وحماية المال العام، مع التركيز على دور المجتمع المدني والتحديات التي تطرحها السياسات الحكومية الحالية. المداخلة تعكس جدلية عميقة بين ضرورة تعزيز استقلالية القضاء ومحاربة الفساد من جهة، والتوجهات الحكومية التي قد تُفهم كعرقلة لهذه الجهود من جهة أخرى. فيما يلي تحليل لأبرز النقاط التي أثارها بووانو.
1. أهمية دور المجتمع المدني في محاربة الفساد:
أبرز بووانو أهمية عدم تقييد حق جمعيات المجتمع المدني في رفع الدعاوى القضائية المتعلقة بالفساد وحماية المال العام، مستندًا إلى الفصل 12 من الدستور الذي ينص على دور المجتمع المدني كشريك في صياغة السياسات العامة. كما أشار إلى أن الاتفاقيات الدولية تؤكد بدورها على دور المجتمع المدني في مكافحة الفساد.
تحليلًا لهذه النقطة، يمكن القول إن دور المجتمع المدني في محاربة الفساد ليس فقط حقًا دستوريًا، بل هو ضرورة لضمان الشفافية والمساءلة. المجتمع المدني يعمل كجهة رقابية مستقلة عن المصالح السياسية، مما يجعله قادرًا على تسليط الضوء على قضايا الفساد التي قد تمر دون مساءلة. في ظل ذلك، أي محاولة لتقييد هذا الدور تعني تراجعًا عن التزامات المغرب الدولية في مكافحة الفساد وتقويضًا لدور الفاعلين المدنيين.
2. الإشكالات المرتبطة بمشروع قانون المسطرة الجنائية:
تناول بووانو مشروع قانون المسطرة الجنائية، مشيرًا إلى وجود فراغات قد تؤدي إلى ارتفاع حالات الاعتقال الاحتياطي، وانتقد منح سلطات واسعة لوكلاء الملك في التكييف القانوني. كما دعا إلى تكريس استقلالية السلطة القضائية ورفض تحجيم دور النيابة العامة في قضايا الفساد.
هذا الطرح يعكس إشكالية أعمق تتعلق بتوازن السلطة بين الأجهزة القضائية والتنفيذية. إذ إن منح صلاحيات واسعة لوكلاء الملك دون وجود آليات رقابية قد يؤدي إلى تعسف في استخدام السلطة، وزيادة الاعتقال الاحتياطي دون مبررات قانونية واضحة. كما أن تحجيم دور النيابة العامة قد يُفهم كعرقلة لجهود مكافحة الفساد، مما يثير الشكوك حول جدية الحكومة في التصدي لهذه الظاهرة.
3. انتقاد سحب القوانين المرتبطة بمحاربة الفساد:
أثار بووانو قضية سحب الحكومة لعدد من القوانين المرتبطة بمحاربة الفساد، ومنها مشروع القانون الجنائي الذي يتضمن مقتضيات حول الإثراء غير المشروع. اعتبر أن هذا السحب غير مفهوم، وخاصة أنه يأتي في وقت تتزايد فيه التحديات المتعلقة بالشفافية وحماية المال العام.
هذا الانتقاد يتماشى مع موقف المعارضة التي ترى أن سحب القوانين المرتبطة بمحاربة الفساد يعكس تراجعًا عن الأولويات الإصلاحية. مشروع القانون الجنائي، وخاصة ما يتعلق بالإثراء غير المشروع، كان يُنتظر أن يكون خطوة مهمة في تعزيز المساءلة القانونية. سحبه، دون تقديم تبريرات مقنعة، يثير تساؤلات حول مدى جدية الحكومة في محاربة الفساد.
4. اتهام الحكومة بالتراخي في محاربة الفساد:
اتهم بووانو الحكومة بأنها “متصالحة مع الفساد”، مستشهدًا بسحب القوانين، وتجميد الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد، والشبهات المحيطة بصفقات تحلية مياه البحر وصفقات الغاز الطبيعي. أكد أن هذه الانتقادات ليست مزايدات سياسية، بل حقائق مدعومة بالأدلة.
هذا الاتهام يعكس توترًا سياسيًا بين الأغلبية والمعارضة، ويثير تساؤلات حول أولويات الحكومة الحالية. تجميد الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد، على سبيل المثال، يشكل خطوة إلى الوراء في جهود المغرب للانخراط في منظومة دولية لمكافحة الفساد. أما الشبهات المرتبطة بالصفقات العمومية، فتؤكد الحاجة إلى مزيد من الشفافية والرقابة.
5. التسرع في تمرير القوانين:
أبدى بووانو استغرابه من الاستعجال في تمرير بعض القوانين، مثل قانون المسطرة الجنائية، رغم التحفظات الكبيرة حولها. هذا التسرع قد يعكس رغبة الحكومة في حسم ملفات تشريعية دون الأخذ بعين الاعتبار النقاش العمومي أو الملاحظات التقنية والقانونية التي قد تُثار حولها.
التسرع في التشريع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ إن القوانين التي لا تُناقَش بما فيه الكفاية غالبًا ما تكون مليئة بالثغرات التي قد تُستغل لاحقًا، مما يضعف الثقة في المنظومة القانونية ككل.
مداخلة عبد الله بووانو تعكس موقفًا نقديًا واضحًا تجاه سياسات الحكومة الحالية، وخاصة تلك المتعلقة بمحاربة الفساد وحماية المال العام. من خلال التركيز على دور المجتمع المدني، وانتقاد الفراغات التشريعية، وسحب القوانين، والتراخي في محاربة الفساد، يقدم بووانو صورة دقيقة للتحديات التي تواجهها البلاد على هذا الصعيد.
لكن يبقى السؤال: هل هذه الانتقادات ستُترجم إلى إصلاحات حقيقية، أم ستظل مجرد جزء من السجال السياسي بين المعارضة والأغلبية؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف لتعزيز الشفافية والمساءلة، وجعل محاربة الفساد أولوية وطنية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.

