بحر الفنيدق.. مشانق على الأمواج لكل من يبحث عن الخلاص
في كل مرة يلفظ فيها بحر الفنيدق جثة هامدة، تتجدد مأساة سكان مدينة أنهكها الفقر وأثقلتها البطالة، حتى لم يجد شبابها إلا الأمواج طريقًا للهروب من واقع مرير. أصبحت سواحل سبتة المحتلة شاهدة على فصول متكررة من الألم، حيث تعود الجثث بلا أسماء، تحمل معها قصصًا وأحلامًا لم تكتمل، وصرخات لم يسمعها أحد.
لم يعد البحر مجرد حد جغرافي بين الفنيدق وسبتة، بل تحول إلى مقصلة تبتلع أرواح الفارين من بيئة فقدوا الأمل في احتضانها لهم. لم يتبقَ لهم سوى المغامرة سباحة، ويتشبثون بها كما يتشبث الغريق بقشة، غير مبالين بالمخاطر، فالخوف من الموت بات أقل وطأة من العيش في ظل الفقر والذل.
الهجرة السرية سباحة لم تعد خيارًا، بل أصبحت قدَرًا للكثيرين ممن سُدّت في وجوههم الأبواب، ورغم القصص المروعة عن الغرق والمفقودين، إلا أن قوافل الهاربين لا تتوقف. يحلمون بفرصة في الضفة الأخرى، بينما في الواقع، تنتظرهم إما أقبية الاحتجاز أو قاع البحر.
في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات المنادية بإيجاد حلول جذرية للأزمة الاقتصادية والاجتماعية في الفنيدق، يظل الوضع على حاله. وعود زائفة، مشاريع لا ترى النور، وحلول ترقيعية لا تداوي جرحًا عميقًا. وبينما ينتظر المواطن بصيص أمل، تستمر سواحل الفنيدق في استقبال المحتضرين، وتواصل أمواج سبتة المحتلة لفظ الجثث، كرسائل صامتة تعكس حجم المأساة.
كم من شاب سيضيع في ظلمات البحر قبل أن يستفيق المسؤولين ويتحملون مسؤوليتهم؟ كم من عائلة ستنتظر عودة ابنها الذي لن يعود؟ إلى متى سيظل البحر هو القاضي والجلاد، والحل الوحيد لمن سلبتهم الحياة حقهم في العيش بكرامة؟
إن استمرار نزيف الهجرة السرية هو شهادة فشل لسياسات لم تنجح في تأمين العيش الكريم للمواطنين. والحل لن يكون في مزيد من المراقبة الأمنية أو التشديدات، بل في معالجة الأسباب الحقيقية التي تدفع الشباب إلى هذه المجازفة القاتلة. ما لم تتحرك الجهات المعنية بجدية، سيبقى بحر الفنيدق مشنقة مفتوحة، تتأرجح عليها أرواح الهاربين من جحيم الفقر إلى سراب الخلاص.


تماما أخاي عمر