رجاءً، لا تُخرسوا الطبَّال!

رجاءً، لا تُخرسوا الطبَّال!
عبد الرحيم الوالي

اختار وزير الشغل والإدماج المهني، محمد أمكراز، قناة تابعة للنظام الإيراني لكي يهاجم الدولة المغربية التي هو عضو في حكومتها، ولكي يدين قرار استئناف العلاقات بين المملكة المغربية وإسرائيل. وهو بالطبع، القرار الذي تم إعلانه بواسطة بلاغ رسمي للديوان الملكي، أي أن أمكراز اختار – في آخر التحليل – أن يدين قرارا اتخذه الملك الذي عيَّنَه وزيرا في حكومة قيل للمغاربة إنها “حكومة كفاءات”.
والأدهى من ذلك أن الوزير، الذي كان يتحدث بصفته المسؤول الأول عن شبيبة حزبه، قال دون أن يرف له جفن بأنه يتحدث باسم الشعب المغربي. وهذه سابقة في منتهى الخطورة إذ لا أحد من المغاربة خوَّل للكاتب الوطني لشبيبة حزب العدالة والتنمية حق النطق باسم المغاربة جميعا. فكأن الرجل أخذته العزة بالحزب فاختزل المغاربة كلهم في حزبه وشبيبته. والحال أن حزب الوزير حصل على حوالي مليون ونصف مليون صوت فقط في الانتخابات الأخيرة بينما المغاربة شعب قوامه ما يقارب أربعين مليون نسمة أو يزيد عنها. لكن الوزير صادر كل اختلاف ممكن مع رأيه وموقفه، أو لنقل مع رأي وموقف حزبه في أقصى الحالات، ووحَّدَ الأمة المغربية، في أوهامه، ليجعلها تتبنى رأيه وتجاهر معه بإدانة ملك البلاد على قناة يمولها عمائم إيران، ويمتلكها “حزب الله” الذي لا يخفي مساندته للشرذمة الانفصالية لا هو ولا أولياء نعمته في طهران، ويسعون جميعا إلى مدها بالمال والسلاح والخبراء لكي تظل شوكة في خاصرة المغرب.
يدل اسم “أمكراز” في لغتنا الأمازيغية الجميلة على معنى “الحارث” لأنه مشتق من فعل “كْرَزْ” الذي يعني “حَرَثَ”. وهو الاسم الذي يُطلق من باب الاصطلاح على الفلاح. لكن الاسم يبدو هنا على غير مسمى مع الأسف الشديد. فالفلاح يرتبط بالأرض حدَّ الفناء الصوفي فيها، ويفضل أن يموت دونها على أن يخونها، بينما لم ير وزير الشغل أن وحدتنا الترابية هي ما يساوم عليه نظام العمائم في طهران، ولا هو رأى أن المساومة هنا عُمْلَتُها هي دماء بناتنا وأبنائنا المرابطين على طول الجدار الأمني دفاعا عن حوزة البلاد وعن أمن المواطنات والمواطنين.
لم يستحضر الوزير “الإسلامي” ذلك الحديث النبوي الذي يقول “حب الأوطان من الإيمان”. ولم ينتبه إلى أن للسياسة مقتضياتُها التي تفرض التحالف على أساس المصالح. ولم ير أن مصلحة المغرب تقتضي استراتيجيا استئناف العلاقات مع إسرائيل التي ظلت على الدوام تساندنا في النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.ولم ير أن إدانة قرار مغربي سيادي، اتخذه ملك البلاد بموجب صلاحياته الدستورية وانطلاقا من الأمانة العظمى الملقاة على عاتقه، عبر قناة تمولها دولة معادية لوحدتنا الترابية، يجعله موضوعيا في الخندق المقابل.
هل فعلا كان كل هذا غائبا عن الوزير؟
لو كان الجواب بالإيجاب لكان العذر أقبح من الزلة، إذ كيف يكون مسؤول حزبي ووزير في الحكومة جاهلا بأبجدياتٍ من هذا القبيل؟ ولو كان الجواب بالسلب لكان الأمر فضيحة أكبر. فالوزير الذي يتنطع للدفاع المزعوم عن حقوق الفلسطينيين هو نفسُه الذي ظل يأكل حق المستخدمين في مكتبه في التغطية الصحية والاجتماعية. وهو عينُه الذي ما فتئ يمارس مختلف أشكال التنكيل، بصفته الحكومية، على مفتشي الشغل التابعين لوزارته، ويرفض مجرد الجلوس مع جمعيتهم على طاولة الحوار للنظر في مطالبهم، ويحرمهم من التعويضات المستحقة لهم ضمن مهامهم خلال فترة تفشي وباء كوفيد 19. وبالتالي، نستطيع أن نفهم عمق اللعبة الخبيثة التي يلعبها الوزير. فهو يسعى إلى الظهور بمظهر المناضل الصلب، الشهم، الصنديد، الذي لا يساوم على فلسطين وبيت المقدس، لكي يدغدغ العواطف الدينية لدى العامة ويمحو بذلك سواد ممارساته الإقطاعية في حق مستخدميه، ويغسل في الآن ذاته أدران تعامله القروسطوي مع جمعية مفتشي الشغل. وهو لا شك يسعى بذلك عمدا إلى استفزاز الملك لكي يقيله من منصبه الوزاري فيلعب دور الزاهد الذي ضحى بالوزارة من أجل أولى القبلتين وكأنه أيوبيُ الزمان وشِيرْكُوالعصر والأوان.
تبدو الصورة كاريكاتورية جدا وتُذَكِّر من بعيد، أو من قريب ربما، بصورة أولئك الرجال الذين كنا نراهم ببذلتهم المزينة بالنياشين في مغرب السبعينات المليء بالقمع والدم، فيظن مَن لايعرفهم على الحقيقة أنهم ضباط في وحدات مقاتلة لا يشق لها غبار، بينما كانوا في الواقع “طبالة وغياطة” ينشطون مواكب الهدايا في الأعراس والمناسبات. وليس من الحكمة إخراسُ الطبَّال لأن لا خوف من تطبيله مهما طال. فالمثل الفلسطيني الشهير يقول: “ما يطلع من دار المطبلين غير المزمرين”.
وإن كان طبَّالُ إيران ومُزَمِّرُوه لا يعلمون فالفلسطينيون أنفسهم قد رحبوا رسميا بعودة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل.وبذلك صَدَق فيهم مثل فلسطيني آخر: العرس في عمورية وأهل البريج بيرزعوا”.
والرزعة في التراث الفلسطيني، الذي لا أظن الوزير يعرفه بالقدر الكافي، هي نوع من التطبيل. وحين يكون العرس في عمورية والطبّال في البريج فلن يسمع تطبيله أحد بالتأكيد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *