افتتاحية مجلة 24 : الملك المبدع للمبادرات
ظل الملك محمد السادس، في كل خرجاته، يعبر عن ضمير الأمة المغربية، بدا أكثر إنصاتا لما يعتمل من قضايا حيوية في المجتمع المغربي، وما يواجهه من تحديات، سياسية واقتصادية .
في قضية الوحدة الترابية، جاء الموقف صارما، لدعوة القوات المسلحة الملكية لوضع حد، لقطاع الطرق في عرقلة انسياب الحركة على معبر الكركرات.
في مواجهة جائحة كوفيد 19، كانت مواقفه، تواجه تطور الأوضاع، بحنكة الراعي الساهر، الذي لا ينام له جفن على شؤون شعبه، الذي لم يجد في حكومته القدرة على ابداع الحلول الملائمة للتصدي لوباء، بات يدب على الأخضر واليابس.
لما تأكد أن سياسة السياسيين، لا تنتج سوى خطابات إنشائية ولا تنتج الثراء ولا ينتظر منها رفاها اجتماعيا، أعلن عن مشروع تاريخي في الحماية الاجتماعية، باعتباره صمام الأمان، للمستقبل الاجتماعي للشرائح التي لم توفر لها إمكانيات الولوج للخدمات الصحية والاستشفائية أو التي لا تحظى بتقاعد يحميها من تقلبات الزمن، أو من تلفظهم الوحدات الانتاجية في مراحل الأزمات الاقتصادية، لدعمهم بتعويضهم عن فقدان العمل.
لما تأكد لعاهل البلاد، على أن إدارة السياسات العمومية، لا تزيد أحوال الناس، سوى شدة وسوءا، شكل لجنة للتفكير في نموذج تنموي جديد، لإبداع مقاربات جديدة، بتشاور واسع مع كل الأطياف والحساسيات من فاعلين سياسيين واقتصاديين واجتماعيين ومفكرين، وطاقات المجتمع المدني.. ولم يقع أي استثناء ولا اقصاء في هذا التشاور الاجتماعي، والذي أريد له، أن يكون فاتحة مرحلة، يعاد فيها قراءة التراكمات التي أنتجها المجتمع المغربي، وخلقت تطورا ورخاء ولم تقو على تعميمه وتوسيع الاستفادة منه، حيث ظلت هوة الفقر تتسع، وظل الخصاص يمتد والتراجع يسجل ليمس في تداعياته حتى الطبقات الوسطى.
الدروس والخلاصات التي نستنتجها من مواقف عاهل البلاد، أنه يتوق وبإرادة قوية للاتجاه بمستقبل البلاد نحو مصاف الاقتصاديات الصاعدة ولا نجد في القوى السياسية الوطنية، القدرة على التفاعل مع هذا المسار والتجاوب معه بالمبادرات المكملة، للتعجيل بالنهوض بكل الطاقات والهمم والموارد المتاحة، لإحداث القطيعة مع مواقف الانتظارية في حل الأزمات بمزيد من تأزيم الأوضاع الاجتماعية.
لم نسجل، للحكومة، منذ 2011 نفسا مماثلا للمؤسسة المملكة في سرعة التجاوب مع القضايا المطروحة، ولا مبادرات تقوي مناعة الاقتراحات المقدمة باستثناء الترديد والتغريد.
لما أعلن عاهل البلاد حرصه على توفير التلقيح وقاد المشاورات على أعلى المستويات الدولية لضمان وفرته، جاء مرة أخرى للتأكيد على مجانتيه، لكل المواطنين ولم يفرق بين المغاربة على أساس فقرهم أو غناهم، كنت أنتظر من الحكومة ومن نواب الأمة ومن عمدات المدن ومن كل الميسورين بالبلاد أن يبادروا بدورهم للمساهمة في كلفة هذه المعركة، لاستراد الحق في الحياة، والتخلص من الجائحة التي ضربت وبقوة في عمق اقتصادنا الوطني، وخلفت أرواحا من الأعزاء على قلوبنا من أطباء وممرضين كانوا في الجبهات الأولى للحرب اليومية، مع الوباء اللعين، والذي خطفهم وحصد أرواحهم كما فعل مع قضاة ومفكرين ومبدعين وفنانين وصحافيين وحرفيين وعمال وعاطلين وشيوخ وشباب ورجال ونساء. ودق الموت أبواب العديد من العائلات وترك الأرامل واليتامى.
علينا في هذه الظروف، أن نوقظ المعاني الإنسانية للتضامن حبا في وطن ونسعى لاسترداد عافيته، لتعود الحياة إلى صورها الطبيعية وتعود الأفراح القديمة إلى كل الوطن.
علينا أن نكون إيجابيين أكثر ونشجع على الحياة بين كل الناس، لنعود إلى ألفتنا القديمة، وقد تعلمنا دروسا قوية من التباعد الاجتماعي الذي لم تكن لنا القدرة، على تحمل آثاره وتداعياته التي فرقت بين الابن وأبيه والأخ وإخوته.
لا يسعنا اليوم سوى أن نتوجه بالرحمة والمغفرة، إلى كل شهداء الجائحة ولنتذكر، أن في رقابنا عزاء لهم، لم يترك لنا الوباء حسن القيام به ولا واجب توديعم الجماعي إلى مقابر الخلود الإنساني.
علينا العودة إلى كل القيم الإنسانية، والتخلي عن الأنانيات الضيقة والحسابات الصغيرة وأن نحيا الحياة بكل ما تستحق من التضامن الاجتماعي بين الناس، لنستمر في هذا الوجود العابر.

